عصير ثقافي

شذرة عن .. نصر حامد أبو زيد

لم تقتصر المعركة الرسمية العربية مع ابو زيد على وعاظ العواصم بل امتدت الى متطوعين اخرين.

ولم يكن الرجل قد ذهب بعيدا كما يزعمون.. فلم يفعل سوى استحضار حجارة تنويرية بأدوات سنية وفقهية جديدة لتحريك المياه في البحيرة العربية الراكدة.

ومع ذلك اعتبر ابو زيد مارقا وخارجا على الصراط المستقيم والثالوث المقدس الذي يحيط بالسطوة الرسمية احاطة السوار بالمعصم ويلوذ بها من حديث الافك الكامن في قلب الشيطان.

ومع ذلك ثانيا ليس صحيحا ان ابو زيد كما يعتقد هو نفسه ضحية القول بخلق القرآن وامتحان الناس في هذا الخلق.

فقبله نفي الطهطاوي ومحمد عبده، وابعاد طه حسين عن الجامعة وعلي عبدالرزاق عن هيئة كبار العلماء والضغط على خالد محمد خالد ومحمد احمد خلف الله صاحب “الفن القصصي” في القرآن ولم يكن ذلك بسبب مواقفهم الفكرية الصرفة بل لانهم حاولوا شأن ابو زيد نفسه الاستقلال بهذا الموقف ورؤية السياسة من خلاله.

فالمهم عن اوساط الثقافة السائدة ليس درجة احترام الموروث السائد بنصه بل درجة توظيف هذا الموروث من قبل هذه الاوساط لتسويغ سلطتها او من قبل خصومها لاعلان الحرب عليها وتكفيرها والهجرة الى يثرب حتى اشعار اخر.

وهو امر قابل للتعميم على قضايا مثل الحروب والسلم والبنك الدولي وبرنامج التصحيح الاقتصادي والعلاقات الدولية.

فيصبح الخضوع للبنك الدولي ممكنا ومقبولا تارة وغير تارة اخرى. ولا يزال التحفظ السياسي التكتيكي على الولايات المتحدة مثلا اصغر بكثير من حلف الفضول الايديولوجي التاريخي.

هذا هو تكتيك الثقافة السائدة في مواجهة العصيان الثقافي الذي فات ابو زيد وجعله يفتح النار على النص التاريخي الازلي المعروف درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

فالنص المذكور يبقى نصا ولكن المشكلة عند اوساط الثقافة السائدة تتعدى الموقف منه الى الموقف من اختراقه في الوقت المناسب.

وهو ما دفع مثقفين راديكاليين كبار الى يمين هذا الموقف كما يذكر ابو زيد حول قول ابن عربي بالارجاء وحول تحوير الاشعري في اصول الدين موقفا وسطا بين الجبرية القدرية وتحوير الشافعي في اصول الفقه موقفا وسطا بين اهل الرأي واهل الحديث.

وهو ما سمح ايضا حسب ابو زيد نفسه لابن رشد في تولي قضاء قرطبة وسمح للغزالي بتولي المدرسة النظامية.

ولو كانت المسألة تعود الى ما يمثله هؤلاء من ظواهر فكرية رفيعة فحسب لانتهوا الى ما انتهى اليه غيلان الدمشقي على ابواب الشام.

ان آخر ما تفكر به قوى الثقافة السائدة هو التفكير المحض ناهيك عن التفكير باغتيال نص محدد في دائرته الفقهية- اللغوية المحددة.

فهي ليست معنية بالنص نفسه كما يظن ابو زيد بل بجريرة هذا النص التي اطاحت به كما اطاحت بالكثيرين غيره في لعبة الموروث العربي وغير العربي القديم- الجديد والجديد جدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى