عصير ثقافي

لغة الكاجو..

الغجر، حيث لا وطن..
أياً كانت أسماؤهم، الجيبسي في بريطانيا، تيفان في بلغاريا، الجت (الزط) البوهيميون في فرنسا وألمانيا، الكاولية في العراق، النور في الأردن ولبنان وسورية وفلسطين (في الأصل اللوري وليس النوري)، فثمة ما يوحد سكان العربات الجوابين هؤلاء كأنهم من سلالة واحدة.
ملامح نحاسيةعيون واسعة، شعر فاحم، غزير، أنوف حادة، قامات مستقيمة، ومشية كالعصفور.
وكلما أمعنت في طقس من طقوسهم كلما اكتشفت أن الأساطير تلفهم من جذرهم الغامض إلى عرباتهم التي لا تنتمي بهم إلى مكان.
يخبرنا الغجر أنفسهم، أنهم أبناء الشمس، يرحلون حيث ترتحل، ويقولون أنهم يفعلون ذلك لحراستها والتأكد من أن التنين لن يحجبها أو يبتلعها.
وتخبرنا الشاهناما للفردوسي أن بهرام كور أمير ساسان أرسل إلى شانكال الهندي يطلب منه آلاف المغنين من أجل مسرات شعبه.
فأنعم عليهم بهرام كور بالأرض والحمير والثيران والبذور، ولكن هيهات، أن يروض الجوابون الراقصون، فاستحقوا غضب بهرام وشعبه، والحق أن سترورهم كان عظيماً لطردهم من الأرض وحرمانهم من ثيرانها.
ولم يروا في ذلك عقاباً على عزوفهم الجميل عن الرعي وانتظار الأمطار من أجل الغلال،
ومن الحكايات الشعبية حولهم، ما ينسبونه لأنفسهم من أنهم أبناء مرة الذين هزمهم الزير سالم، أو أبناء قابيل، الذين تشتتوا في الأرض عقاباً على جريمة سلفهم البعيد بحق أخيه هابيل.
ولا نعرف بالضبط متى وكيف انتشرت هذه الحكاية الشعبية بالذات، غير أنها تنطوي على مفارقة معرفية عميقة بالنظر إلى مقاربتها الشديدة للعمل الإغريقي الشهير، أوديب والقراءة الفرويدية اللاحقة له، الندم على قتل الأب والتكفير عن ذلك بالترحال الأبدي.
ولم أعثر في كل ما قرأت حول أسباب هذا الترحال على قراءات اجتماعية تفسر ذلك خارج الحكايات والتهويمات التي تستغرقها هذه الحكايات.
صانعو كحل وغرابيل ومناديل وخواتم وخناجر وأقراط وحلى رنانة وسروج مطعمة بالفضة والعقيق، يضربون بالرمل والودع.
مروضو نار وبياطرة خيل بلا منازع ألا يدل ذلك على أنهم كانوا أول المتحضرين في التاريخ، وإننا أمام جماعات حرفية رفيعة تطوف القرى والعالم القديم، مثلما يرتحل الرعاة الصيادون خلف الماء والعشب والوعول.
وعندما يتمنى الغجري الحياة العديدة لأي كان ويقول له “أرجو أن تعيش خيولك طويلاً فليس لأن الغجري شاعري شغوف بهذا الكائن الجميل أو لأنه مقاتل أو فارس يشار له بالبنان، بل لأن الحصان ضروري جداً لأي جماعة جوابة.
ومما له دلالة غير محققة حتى الآن، إن امتطاء الخيل محرم عليهم، وإن جل ما يستحقونه هو العناية بها وبيطرتها.
ومثل كل جماعة عرفت تقسيم العمل، عرف الغجر ذلك، لعبة الحديد والنار للرجال، ولعبة الرقى والأعشاب ومعالجة العقم للنساء.
ومما له دلالة أيضاً، أن جماعة الحرية الجوالة هذه، هي جماعة مغلقة على نفسها وتخضع لمجلس العشيرة (الكريس). ومن النادر أن تتزوج غجرية خارج جماعتها.

أيام الكاجو القليلة
لا بأس من أيام قليلة مع الكاجو، الغريب المجنون، لا يكف عن الرقص (كارمن ميريمية) أو لورد الجبال والسهوب الجنوبية في عمل غوركي الجميل، ولكن حذار من ضجر الخلاسيات ذات الأقراط اللواتي يذهبن بعيداً في الموت إذا ما أغلقت عليهن شرفات الرجال بحب وافر لا يطاق،
بل إن الغجر، على إطلاقهم، لم يجدوا في بيوت الاتحاد الأوروبي سوى معسكرات إسمنت واعتقالات جماعية لا تليق بسكان العربات فغادروها وباعوا مواسير المياه والشبابيك في أقرب سوق سوداء،
ولم تكن حريتهم بدون ثمن..
إن حب كارمن وأزميرالدا العنيف للكاجو كان متعباً واحتجازاً للروح والقلب، لا معك ولا بدونك أحزاني تجد نهايتها، معك لأنك تقتلني وبدونك لأني أموت.
وفي المستوى السياسي لاحقتهم السلطات في كل مكان، وارتبطت ثورة الزط في البصرة باسمهم ولاحقهم الخليفة المعتصم وأعمل فيهم القتل، كما تعرضوا لحملات إبادة جماعية من الإمبراطورية الرومانية المقدسة ومحاكم التفتيش الكاثوليكية في إسبانيا.
وأبيد الملايين منهم خلال العهد النازي، وأعتقد أن الغجر لم يتعرضوا لذلك بسبب ما نسب لهم من جاسوسية وفتن، بل بسبب ازدهار تجارة الرقيق وسهولة اصطياد الغجر وبيعهم في أسواق النخاسة بل إن كلمة تيفان البلغارية التي تطلق على غجر البلقان، تعني الرجل الذي يسهل اصطياده.
طقوس الغجر
من الغريب أن هؤلاء الجوابين الذين يتشردون في كل أرجاء العالم ويحظون باهتمام الدارسين بما في ذلك الأنثروبولوجيين، لم يدرسوا كجماعة انثروبولوجية تحتفظ بطقوس أسطورية حية حتى الآن،
فحتى فريزر والياد وتايلور وكامبل الذين أمضوا سنوات طويلة مع الهنود، والقبائل البدائية في آسيا وإفريقيا لم ينتبهوا إلا لماماً إلى جيرانهم الأقربين من الغجر مقارنة باهتمام الشعراء والروائيين الذين افتقدوا للثقافة الأنثروبولوجية الكافية لقراءات تتجاوز الدهشة الجمالية للعربات والحرية والأجساد النحاسية.
وليس المقصود إمعان النظر في هذه الجماعة الجوابة كعينة أنثروبولوجية للدراسة بل إعادة الاعتبار، على الأقل لطقوسهم، بما هي طقوس كونية حافظ عليها الغجر وأعادوا إنتاجها على مر القرون.
فعندما تعرف أن للغجري ثلاثة أسماء فليس ذلك تقليداً غجرياً خالصاً، بل يعود إلى المشتركات الطوطمية الأولى: اسم علني متداول واسم حقيقي سري تهمس به الأم في أذن وليدها مرتين لتضليل الأرواح السوداء، مرة عند الولادة ومرة عند البلوغ.
وكانت العرب تطلق الأسماء العادية على أبنائها الخلص والأسماء الرقيقة على عبيدها (مرجان، وورد، الخ).
وعندما نعرف أن الغجري يكره الماء، وقليلاً ما يستحم، فليس ذلك لأنه قذر أو يخاف من شحة الماء بسبب تجواله الدائم، بل لأن الماء بالنسبة لأسلافه كان رمزاً للعمادة، والطهارة الدورية بين الحين والحين، والماء نقيض النار أيضاً، التي تساوي الشمس. القرص المقدس عند كل الغجر.
وللآلات الموسيقية المفضلة عند الغجر حكاياتها وعالمها البعيد، فحسب بول كليبر في زمن ما عاشت فتاة في إحدى الغابات مع أبيها وأمها وأخوتها الأربعة ووقعت مارا الجميلة في غرام شاب غريب من الكاجو (غير الغجري) وبالرغم من جمالها وسحر إغرائها لم تنجح (في لفت أنظار الكاجو الشجاع فالتجأت إلى الشيطان الذي استجاب لها ووعدها بالمساعدة شرط أن تسلم أخوتها الأربعة إليه، وصنع منهم أوتاراً ومن أبيها صندوقاً مجوفاً وصنع من أمها قوساً. ومن هنا ولد الكمان وتعلمت مارا الجميلة العزف عليه، وسرعان ما سحرت موسيقى مارا ذلك الشاب الكاجو وسحرته الفتاة أيضاً فاقترب منها، هنا خطفهم الشيطان وبقي الكمان وحيداً على الأرض الموحشة، يوماً ما مر غجري فقير في الغابة والتقط الكمان وأخذ يلعب بأوتاره عازفاً متنقلاً من قرية إلى أخرى جاعلاً الناس يضحكون مرة ويبكون مرة وهكذا عاش الكمان مع الغجر وعاش الغجر مع الكمان.
وعندما يصبح الغجري أخاً في الدم للغريب (الكاجو) أو ما إن يشرب شاب وفتاة من كأس واحدة حتى يصبحا خطيبين، فذلك ليس بعيداً عن قتل الأب الفرويدي والندم الدوري عليه بشرب دم الطوطم الذي يرمز له، وليس بعيداً عن تقاليد التراجيديا الإغريقية وكأس القربان المسيحي.
وعندما يفضل الغجر في مناسباتهم الخاصة طعام القنفد ويغلفونه بالطين ويضعونه في فرن فخاري تحت الأرض، فذلك الأكثر من سبب أولها أو القنفد نفسه ابن الأرض، وثانيها لما تنطوي عليه هذه الطريقة من طقوس طوطمية كامنة تذكرها بالفطير المقدس ووظيفته التحيينية.
ويبدو أن هذه الطريقة في الزرب انتقلت لدى الشعوب المختلفة من القنفد إلى حيواناتهم المفضلة، الجداء والخنازير والدببة.
ونعرف أيضاً، أن الغجر يفضلون الثمار البرية مثل النبق، الكمأة والفطر، وكلها ذات دلالات أسطورية معروفة.
وعندما نعرف أن الدببة الصغيرة تحتل مكانة خاصة في استعراضات الفرجة الغجرية (إلى الرقص يا مارتن) فإن هذه المارتنات كما يسميها الغجر، ما هي سوى تحريض للإله، مريخ، أو مارس عند الرومان.
ربما لم يعد الغجر غجراً، فعربات الديوك والعجلات الخشبية غير كارفانات البلاستيك المقوى وعجلات المطاط، والرقص البري غير المخاتلة على سرير الغريب والهواء الطلق تحت الأمطار غير مهرجان سانت ماري ديلامير المصمم مثل البيوت المسبقة الصنع،
وتجارة الخيل غير تجارة الخردوات، وألوان البروكار الطبيعي غير الأصفر الباهت، ومع ذلك، فليس غير الغجري من يعرف سر الناي والرقص والرمل وغلالات العشب في الندى وأبجدية العود الأبدي من العتمة إلى ربوة الخلق الأول والخطيئة المرغوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى