عصير ثقافي

كيف تبكي النساء ؟

 نحنُ ننحازُ الى الصَّمتِ نبكي مع الْعصافير فنُطعِمُها وَعِنْدما تَزدادُ فَجوةُ الألمِ نُغطي الْجرحَ بالملحِ وَنَدقهُ لِنُخرسْهُ تَحتَ الْجلدِ في تَلافيفِ الرُّوحِ ، نَستَحضِرُ الزَّيتونَ الْمُرَّ وندقَ رأسَهُ قهرًا وَنُطْعِمُهُ الْملحَ ليَصفو مَع دُموعِنا، نبَكي ليلًا ، وكثيرًا ما يُرافقُ الليلَ دُموعنا وَيحولها لنجومٍ لامعةٍ كلما ظلَّ أدميٌّ طريقهُ الى البيتِ والحضنِ والرَّحمِ ، ليسَ للبكاءِ نَمطٌ مُعينٌ ولا طَقسٌ معينٌ ، هوَ تَفصيلٌ يَحدثُ لأسبابٍ كثيرةٍ ، يَتحولُ ضعفًا عِندما يُصبحُ استجداءً او ادعاءً لكني قصدتُ تلكَ الدُّموعَ الحارةَ المُلتهبةَ الموجعةَ التي تَشقُ طريْقها منَ القلبِ تَحفرُ طريقًا للأسى المُرِّ الطويلِ ولا يكونُ هناكَ قيامةٌ من بعدهِ ، يَستشري فيُنهكُ الأيامَ ويَحوْلُ دونَ الثِّقة في الغد.

كانتْ جَدتي قويةَ الشَّكيمةِ كثيرةَ البكاءِ والفَزعِ ، عاشَتْ بِرهابِ الاغْتصابِ بسبب حادثةٍ لقريبتها حَولَتها لِفزاعةِ حَقلٍ مُرابِطةً على كلّ ما يَقعُ تحتَ جناحِ ولايَتها منَ البناتِ ، حولها البكاءُ رغمَ روحِها المَرِحَةِ لنواحةٍ تُجيدُ تَحويلَ الصَّباحِ لبكاءٍ مُرٍّ وهي تَطحنُ الْقمحَ في أرضِ الدَّارِ ، يقولُ جَدي بثقةٍ بعدَ أن لَوعَ قلبَها الطَّري بِنيرانِ الغيرةِ عَلى مَدى سَنواتِ عُمرهما (أنه يُحبها ) ، وتَقولُ هي بَعد وفاتهِ : ( لمْ يقرب امرأةً غيري بِحُبٍ وكأنَّها تؤكدُ لنفسها حَتى بَعد مماتهِ هي الوَحيدةُ التي لَمسَها بِحبٍ)

ربما أكثر النَّساء اللواتي عَرفتَهُن بكاءً هي (جدتي)  بِقامتها القَصيرةِ وبياضِ بشرتها اللامعِ وعيْنيها الصَّغيرتينِ التي كُنتُ أظنُّ في طُفولتي  أنهما كانتا كبيرتينِ وقد تَقلص حَجمَهما بسببِ بُكائها ، كانَ أغلبُ بُكائها فَزعًا من شيءٍ قادمٍ ورُبما وَرثَتُ مِنها ذَلك ( الْقلقَ والخوفَ ) ظلتْ تبكي إلا أن توفاها الله منذ أعوامٍ قليلةٍ مُنصَرمَةٍ على ابنَتها الصَّبية التي ماتت مُنذ بدَأ الرُّمان يتكورُ في صَدرها الغَض ماتت وهي تَملكُ رائحةَ الأرضِ بعدَ الْمطرِ وبقيت تَأتي لَنا عبرَ أمطارِ دموع جدتي ونُواحِها الذي أظنَّه فيما بعد تَحولَ الى بكاءٍ مَجهولٍ ، بُكاءٍ لنْ يَفهمهُ سوى نسوة  شَهِدنَ الْخوفَ بِملامِحهِ الفاحِشةِ يَأكلُّ القلوبَ ويَجزُّ حبالَ القلبِ ويُحيْلُ اللحنَ نواحًا ،

الخوف الذي تحدث عنه الماغوط فقال: (الخوفُ لا يُشرح مثل الله لا يُفسر وَكذلكَ الخوفُ هو سياطٌ وكماشاتٌ هو أسنانٌ مَخلوعةٌ وعيونٌ مَفقوءَةٌ تُغطي الْعالمَ والعالم يرقصُ ويُغني)

في حيواتٍ أكثر مَدنيَّةٍ وربما يَعتقد البعض أنّها أَفضل تَمدنًا وتَحضرًا لذلك هي أقلُ خَوفًا لكننا خَرجنا من تَحتَ عباءاتِ جَداتنا لنَتسربلَ في حِبالِ الخوفِ والقلقِ الأكثر تَطورًا الذي يَتوارى خلفَ شعاراتٍ رَنانَةٍ وأنيابٍ مَصقولةٍ بابتِساماتٍ هوليودية لكنَّها تُواري عَفنًا لم يُعالَج ولم يَزُل، ثُمَّ نبكي حَتى لا يَفهم أحدٌ سببَ بُكائَنا فَتنْطلقُ العباراتُ ( هرمونات – دورة شهرية – مزاج متقلب  ) ثمَّ يَختتمُ القولَ ( هم هَكذا النساء بدهن حلم الله لتفهم عليهن)

في الحقيقةِ لسنا كائِناتٍ فضائيةً ولسنا جِنساً مُغايراً للطبيعةِ البشريةِ وليسَ الْمزاجُ ما يَلعبُ بَعدادِ الدُّموعِ والحزنِ لَدينا، نَحنُ فَقط مَدافنُ أسرارٍ لجرحِ حبٍ غادرَ من غيرِ تَحذيرٍ لخوفٍ عتيقٍ وجديدٍ، خوف يأخذُ أشكالاً كثيرةً ، يقهقهُ في زوايا أَرْواحنا ، ثُم لا يَلبثُ أنْ يتكتلَ في أثْدائنا أو في أَرحامنا حَتى يُصبحَ له اسم صريح لكنه مواربٌ.

نحنُ في الشرقِ نُنْعَتُ بالناقصاتِ عقلٍ لكنهم نَسوا أنْ يَقولوا أننا كاملاتُ خوفٍ في بيئاتِهم المُقيدة ، لذلكَ نرتابُ عند التّخلي ، تتعثرُ أقدامَنا من دونِ سَندٍ لِتَوَهُمِنا بالنَّقصِ لقد وشموا عُقولنا بأننا نَحتاجُ دائمًا لوجودِ ظلٍ حتى لو كان حائِطًا ، نَتغابى ويَتغابون عَن حَقيقتنا نحنُ المُكتملاتُ فطريًا في الحب والتَّجذرِ والاكتمالِ والاسْتقرارِ ، نحنُ اللواتي نَسندُ هذا الْكوكب ونمنحهُ الموسيقى والْمحبةَ، نَحتاجُ شَريكًا ليسَ ظلًا ولا قديسًا نحتاجُ خَطائينَ يُقرونَ عِندَ الخطِأ وَنُقرُ عندَ الخوفِ وننحازُ للإنسانِ في دَواخلنا دائمًا نَحتاجُ شَريكًا وان كانَ مُناقضًا لِخصوبَتنا يَمنحنا الحبَّ فنَمنحهُ عُمرًا من الاخْضرارِ .

Latest posts by نبال النبواني (see all)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى