عصير ثقافي

شباك المقام

أخيراً قررت أمي أن تفي بنذرها زيارة مسجد “سيدي خالد ابن الوليد”

وصلنا عند العصر، ما أن كنّا عند الباب حتى ابتلَعَنا المقام المهيب.

واسع، فسيح، ينام فيه ألف شخص بأريحيه. مراوح وثريات تتدلى، سجاد على مد النظر.

آه يا سيدي خالد بيتنا لا يتجاوزُ مساحةَ سجادتين من سجاجيد ضريحك.

حتى أنه أكبرُ من حارتنا، بل أكبرُ من مدرستنا ومدرسة البنات أيضا.

نعم مدرسة البنات.

وقفت عند ما كنت أظنه شباك المقام وبدأت أخاطب سيدي خالد:

آه يا سيدي خالد لو تعرف كم أحبُّ البنات.

فجأة جرّتني أمّي من يدي وأخرجتني من باحة مدرسة البنات إلى حيث الضريح على الزاوية الجنوبية الشرقية.

كان قفصاً من الزجاج النظيف مزنراً بالحديد، هناك سُجّيَ الضريح وقد انتثرت حوله قطع نقديه كثيره جعلتني أصرخ بلا وعي حتى زجرتني أمي التي كانت خاشعة تغلق عيونها، تتلو شيئاً والدموع تكرجُ وهي تسندُ جبينها على حديد الضريح.

كانت تكلمه كأنها تراه.

***

بينما انشغلت أمي بالصلاة، تعربشتُ أنا على الحديد لأرى دون زجاج مشهد ورق النقد الذي يغطي الضريح.

لكن الرجل، قيّم الجامع بلحيته الضخمة المصبوغة مسَكني من كنزتي الصوفية، التي حاكتها لي أمي خصيصاً لزيارة “سيدي خالد”، وقذفني بعيداً.

***

كانت الزيارة حديث المدرسة مع الأصدقاء عن “سيدي خالد” وأملاكه. حتى أن أحدهم اقترحَ أن نزورَ المكان من دون أمهاتنا.

أخبرتُ أمي بالأمر فقالت: “إن لم تخشع وتبكِ بين يدي “سيدنا خالد” وتمسح جبينك بحديد شباك ضريحه فلن ترى شيئا.”

لذلك استبعدتُ فكرة زيارة الضريح وصرتُ بدلاً من ذلك أزورُ الباب الحديد لمدرسة البنات وأُلصقُ جبيني بخشوع حتى أرى. إلى أن مسَكني “أبو قاسم الميعاري” من كنزتي الصوف و قذفني بعيداً.

Latest posts by رائد التوبة‎‎‎‎ (see all)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى