إشكالات مجتمعية

حرملك

لا أحد يمكنه أن ينكر ما تتعرض له أغلب النساء العربيات من تهميش وتعنيف.. وقد ظهر ذلك جليا مؤخرا حيث شاهدنا وسمعنا عن حالات متتالية لنهايات مفجعة لفتيات بعمر الزهور.. كل ذنبهن أنهن ولدن في الشرق.. حيث القانون والعادات والتقاليد كلها خلقت لتقييدهن وتقييد حريتهن.. حتى أن قد الدين استغلوه للسيطرة عليهن وقمعهن..

وأقف عند كلمة حريتهن التي يفسرها بعض محدودي العقل على أنها فجور ومخالفة للأخلاق..

الحرية يا سادة هي أن تملك صوتاً ورأياً.. أن تكون هي.. أن تعيش دون الالتفات إلى العيون التي تراقبها طول الوقت.. دون الالتفات إلى أحكام المجتمع عليها.. المجتمع الذي رمى خلف ظهره كل ما يتعرض له من قمع ومن سحق للكرامة.. وصار جلَّ همه المرأة.. سحقها وقمعها.. ونسي الكرامة التي سُلِبت منه.. فبات يرى في حرية الأنثى عاراً عليه ونسي عاره المتراكم منذ عقود..

تقول مارجريت ميد: “في كل مرة نحرر امرأة نحرر رجلاً.”

نعم تحررها هو تحرر المجتمع.. تحرر ذرية كاملة.. وأقصد هنا بالتحرر حقها بأن تعيش كإنسان كامل.. لا كجسد.. حقها أن تقرر مستقبلها.. تعليمها وأن تختار شريك حياتها.. حقها أن تخرج من (الحرملك) لتحلق عاليا.. وتنثر زهورها في كل مكان..

تبدأ مرحلة سلب المرأة عقلها وحقوقها منذ نعومة أظفارها.. وهنا يبدأ سلب أهم وأغلى ما تملك وهو طفولتها.. حيث يمنع عند البعض عليها ركوب الدراجة خوفا عليها من أن تفقد عذريتها.. هذه المعلومة التي لا يوجد إثبات لها إلا في عقولهم المتحجرة.. ممنوع عليها الضحك بصوت عال لأن هذا عيب.. احسبي ضحكتك.. احسبي نفسك احسبي جلستك وانسي أنك طفلة.. فقريبا تبلغين وتكونين امرأة.. فيسيطر العيب على كل حياتها.. تخشى أن تحب أو أن يدق قلبها لأحدهم.. تحاول قتل الرغبة في داخلها.. لأنه عيب.. لا شيء إلا العيب..

خلف بعض الأبواب المغلقة.. مازالت العقول أيضاً مغلقة.. خلف تلك الأبواب الفتاة ما زالت مضطهدة مقهورة.. لا صوت لها.. وعند أول مرة تبلغ فيها تخاف وتخجل.. وحينها تصبح هما وعارا على أهلها يتمنون ستره لتطمئن قلوبهم.. وعند أول عريس يتقدم لها تنفرج الصدور ويبدأ التأهيل والترحيب بالزائر الذي شرف الدار والذي (سَيَستُر) على براءتها.. فيبارك الأب للعريس قائلا وفخورا ستكون ابنتنا (خدامة بمطبخكم).. وهي لا تفهم من كل هذا إلا أنها ستكون محور اهتمام الجميع.. ستكون عروسا ترتدي الأبيض.. وماذا تعني كلمة عروس.. لا تدري.. لتتفاجأ بعدها بشخص معها بنفس الغرفة بباب مقفل عليهما.. شخص لم تعرفه جيدا ولا تعرف ماذا يريد منها.. ولا تتذكر في تلك اللحظة إلا كلمات أمها.. كوني مطيعة له.. لا ترفضي له طلبا..  بدون أي مشاعر أو أحاسيس تدخل عالما غريبا عليها.. تصبح امرأة بعمر الطفولة..  وهنا تبدأ الفوقية الذكورية التي ستقضي على كل شيء جميل فيها.. ترى نفسها وحيدة.. تشتاق حضن أمها.. ودميتها.. وكتاب أسرارها.. حيث كانت تكتب فيه ما تحلم به.. كأن تكون أميرة.. تحلم أن تكون ذات شأن يوما.. وينتهي بها الحال مسلوبة من كل احلامها.. وتمضي الأيام والصغيرة تحاول أن تعيش أن تعتاد على ضياع الأحلام.. ولكن لا شيء إلا القرف والغثيان..

ليس من حقها أن تقصر بشيء أو بعمل أو طلب.. ليس من حقها التعب.. فإن حصل كانت الطامة الكبرى.. سي السيد الذي ستر عليها له الحق بأن يضربها.. و(يمصع رقبتها).. حسب مزحة كانت تقال وقت الخطبة.. فكان يضرب ويضرب وهي تخبئ رأسها بين ركبتيها محاولة الهروب إلى حلم من أحلامها ينشلها من هذا الكابوس.. وعندما ينتهي من مهمته.. يتنفس ويلهث مرتميا على السرير وكأنه كان في معركة.. يشعل سيجارته ويقول.. (انقبري اعملي شاي).. بكل ما فيها من وجع كان يجب أن توافق وإلا سيكمل مهمته..  فرجولة هذا الكائن لا تكتمل إلا بإهانتها وسحقها.. كان يجب رغم كل ما فيها من ألم أن تكون طبيعية.. وأن تهتم بجلادها.. كأن أي جواب منها أو رأي يُعتبر (تكبير راس).. بالنسبة له..

 ولكن الجلادين في مجتمعنا كُثُر.. حيث إن فَكرَت بالطلاق والخلاص.. كانت ستجد ألف جلاد وجلاد.. لأنها ستكون (مطلّقة) والأحكام مسبقة عليها فهي كائن مرفوض.. مستغل ومحكوم عليه في مجتمعنا.. لذلك كانت تتحمل جلادا واحدا.. وسجنا واحدا..  تغدو دمية متحركة من دون روح..

 يعطي هذا المجتمع الحق لأي ذكر في العائلة أن يتحكم بها.. ابن العم والعم والأخ الذي ما أن تبدأ شواربه تخط على وجهه حتى يبدأ بممارسة أحلى هواياته وهي السيطرة ودوره الذي سيعطيه لقب الرجولة لاحقا.. بأن يأمر وينهي على أخته ويتحكم بها.. الكل تآمر على ذلك الملاك. كل من سكت وسامح بحقها..

كل من قبل أن تستمر تلك السيطرة الذكورية هو مجرم بحقها.. كل من سكت وقبل بذلها هو شريك بهذه الجريمة.. كل يوم نسمع عن مصرع امرأة تحت الضرب أو التعنيف.. من أين يأتون بكل هذا الإجرام؟ بأي حق يحكمون ويقتلون؟

اليوم آيات التي ماتت قهرا قبل أن تموت من الضرب على يد زوجها وعمها وأم زوجها.. وفي الأمس كانت إسراء غريب تلك الفتاة المشرقة الحالمة ماتت تحت الضرب والتعنيف الأسري.. ومريم المحمد التي وجدت مقتولة ب 15 طعنة على يد شاب رفضت الزواج به وعبدة الحمودي ابنة الستة عشر عاما التي قضت قتلا بالرصاص على يد أهلها لرفضها الزواج من ابن عمها.. وكثيرات انتهت حياتهن بسبب تخلف وتعفن عقول أسرهن وبسبب العقلية الذكورية المتسلطة..

 في الجاهلية كانت تُوأَدُ وهي طفلة رضيعة.. واليوم بانت تُوأَدُ وهي في ريعان شبابها.. لا شيء تغير..  كيف يمكن لهذه الأنثى أن تربي أولادها على الكرامة والحرية.. وهي مسلوبة منهما.. كيف ستنشئ جيلا من أم مقهورة..  الأنثى هي ابنتك.. أمك.. زوجتك.. حبيبتك.. هي كرامتك.. تلك الثقافة الاجتماعية العفنة التي تخنقها..  ستخنقك يوما ستنشئ جيلا مثلك لا يعرف القوة إلا عليها.. جيلا مهزوما..  اخرج من عقلية جهلك المقدس وكن رجلا حقيقيا لا ذكرا وضيعا يمارس قوته على أرقِّ مخلوقات الله..

أيها الذكر ذو العضلات.. دماغك أيضا هو عضلة يجب أن تمرنها لتصبح قادرة على الانفتاح والتفكير.. لتصبح قادرة على قبول الطرف الآخر كشريك معك في الحياة لا كعبد مسلوب الحقوق والإرادة.. ولكن للأسف في شرقنا لا صالات رياضة لتمرين هذه العضلة التي باتت متحجرة لا تقبل التغيير..

Latest posts by فاتن علوش (see all)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى