مقابلات صحفية

القبضة تلتقي المعتقلة السابقة منتهى عبد الرحمن

حاورها: اسماعيل كردية

التقت مجلة القبضة المعتقلة السابقة في معتقلات النظام السوري منتهى عبد الرحمن، من ريف دمشق، دبلوم علوم سياسية، اعتقلت أول مرة لمدة أسبوع في فرع الأمن العسكري في دمشق، والاعتقال الثاني 28 يوماً في فرع الخطيب بدمشق.

– كيف كانت بداياتك مع انطلاق الحراك الثوري في مدينة الزّبداني؟

في البداية، خرجنا مجموعة من النساء للمطالبة بمعاقبة قاتل طفلٍ وجد مقتولاً ومُلقىً على ضفّة النهر ولم تتحرك القوى الأمنية قيد شعرة لاسترجاع الطفل أو القبض فيما بعد على الجاني. وهكذا كنا نخرج كل يومٍ إلى ساحة المخفر ونهتف: “بدنا حق هاني” (هاني اسم الطفل)، وعندما لم نجد أي استجابة بدأنا نحوّل هتافنا إلى (نريد العدل نريد العدالة) وبعدها (نريد اسقاط النظام) الذي لا يحمي الطفولة. ثم بدأنا بالاجتماع في منزلٍ في البساتين وإعداد اللّافتات وأقنعة الوجه والخروج كل يومي أحد وثلاثاء في مظاهرةٍ نطالب بإسقاط النظام، كان الامر مرعباً جداً، ولهذا السبب كانت الزبداني من أولى المناطق التي ثارت ضد النظام عندما وجدنا طفلنا ملقى على حافة نهرٍ تنهشه الكلاب. الزبداني من المدن الأولى التي عانت من ويلات النّظام وأعوانه، هل كان بالإمكان تجنّب ذلك؟ لا.. لم يكن بالإمكان تجنّب الثورة. هل كان بالإمكان أن تتحرّك قوىً أمنية وتتبع اتصالات المجرم وتلقي القبض عليه قبل أن يقتل هذا الطفل البالغ من العمر 8 سنوات فقط؟ هذا سؤالٌ يوجّه للنظام الأمني الفاسد الذي كان باستطاعته تعقبنا وتعقب اتصالاتنا والقبض علينا والتنكيل بنا لكنّه لم يحرك ساكناً ليتعقب قاتل الأطفال

وهكذا بدأنا بالحراك والمطالبة بإسقاط النظام وبدأوا هم بملاحقتنا واعتقالنا الواحد تلو الآخر.

– انضمامك للثّورة كان قراراً مصيرياً، كيف استطعتِ اتخاذ هذا القرار وأنت امرأة تنتمي لمجتمعٍ محافظٍ؟

عندما انضممتُ لصفوف الثّورة، كان قلبي قلبَ أمٍ خائفةٍ على مستقبل أطفالها فلم يكن هناك سبب أقوى من خوف أمٍ يَلقى طفلها نفس مصير هاني، الزبداني مجتمعٌ محافظٌ نعم، لكن أكثر من 90% على درجة ثقافةٍ عاليةٍ، ويعرف الرجال والنّساء المسؤوليات الملقاة عليهم فلم يمنعني أهلي وإخوتي من الخروج بل كانوا يحموننا.

– هل تستطيعين أن تحدثينا عن ملابسات اعتقالك؟

اعتُقِلتُ لأنني أخفيتُ شخصاً كان مطلوباً، لقد تمّ كتابة عدٍة تقاريرٍ بحقي. كنت في طريقي إلى دمشق للمشفى لأعالج ابنتي الصغيرة من سوء التّغذية، وعلى الحاجز الأول نادوا باسمي وأنزلوني من السّيارة وبقيت ابنتي مع صديقتي، تمّ اقتيادي لفرع الأمن العسكريّ ولكن لم يتم إثبات شيءٍ وتمّ الإفراج عنّي، وفي المرّة الثّانية قاموا بإرسال كتابٍ أنّه يتوجب عليّ المراجعة لآخذ أوراقي وهويّتي وعندها تمّ اعتقالي 28 يوماً.

– كيف كانت حياتك فترة الاعتقال؟ وهل من الممكن ممكن أن تحدّثينا عن المكان الذي قضيتِ به فترة اعتقالك؟

الفترة الأطول كانت في فرع الخطيب.. لم أكن أعرف أين أنا، لقد دفعني إلى الزنزانة وقال للفتيات هناك “ها جبنالكن وحدة مثقفة تسلّوا فيها”. سألتهنّ: “من أنتنّ؟ أين أنا؟” أجابتني إحداهنّ: “أنت في فرع الخطيب”، وكانت الصّدمة، تذكّرت حينها حمزة الطفل الذي قُتل هنا بين هذه الجدران السّوداء القاتمة، إنّهم قتلة لا بل هم أسوأ، إنٍها جهنّم، عندما كنت أسمع أصوات التّعذيب كنت أقول في نفسي: “لا ليس سجناً إنّه جهنّم”. أصوات التّعذيب بالكهرباء كانت ولاتزال في أّذني.. إنّها كصياح الدّيك أو عويل الجان، أصواتٌ لم أسمعها في حياتي، أخذوني إلى التّحقيق، بعد عدّة أيامٍ جاؤوا بشابٍ وبدأوا بضربه أمامي. كنت مغطاة العينين، بدأ الشّاب يقول لي: “منشان الله لا تكذبي قوليلن شو ما بدن”، عندها فهمت أنّهم يعذبوه ليستجوبوني، وانتهى التّحقيق بعد عدّة ساعاتٍ وطلبوا منّي توقيع عشرات الأوراق البيضاء، لم أكن أعرف أين أوقع فقال لي احدهم: “زيحي الخرقة يلي على عينك” فنزعتها كاملةً ورأيت الشبّان ملقَين على الأرض مضرجين بالدّماء، فصرخ بي: “حطيها يا … “

ثمّ أنزلوني للزنزانة إلى حي تمّت الصفقة ودفع أخي مبلغاً من المال مقابل إطلاق سراحي.

– أريد السؤال عن حملة أكسجين ما هو دورك في إطلاقها؟

أكسجين إنها الشيء الجميل، نعم لقد كنّا نجتمع في منزلي ونخطّط لها ونطبعها كنت أكتب فيها مقالاً كل 15 يوماً وكنت أوثّق عدد الشّهداء كلّ أسبوعٍ حتى أنّ المحقق سألني عن أحد مقالاتي في أكسجين، قال لي: “من كتب هذا المقال؟” وقرأ العنوان “استيقظوا أيّها الأموات” فأنكرته.

– كامرأة تنتمي للثّورة السّورية، أين تجدين موقع المرأة في الثّورة؟

لقد حملت المرأة السّورية العبء الأكبر في هذه الحرب، وهي الآن في الصّفوف الأولى للبناء والإعمار.

– في مدينة الزّبداني وُجِدَ تيّاران للثّورة، الأول مدني والثّاني ديني، أين كنتِ تقفين؟ وما الذي حدث بين التيّارين؟  

إنّه سؤالٌ جدليٌّ جداً، نحن كأوّل أشخاصٍ خرجوا في الحراك أقول لم يكن هناك تياران بل كنّا على كلمةٍ واحدةٍ لكنّ النّظام بدأ يُرسل اشخاصاً متشدّدين أو يدّعون التشدّد وتم زرعهم بيننا لشقّ الصّفّ. الأشخاص المتديّنون في الزبداني لم يمنعونا من الخروج بل حمونا وأمّنوا لنا طريق العودة، إنّه النظام هو من أرسل أشخاصاً ادّعوا التّشدد.

– هل تشعرين بالنّدم أو الفشل بسبب الانتماء للثّورة؟

 لو عادت الثّورة ألف مرّةٍ سأخرج في الألف لأُنادي بإسقاط النّظام.

– المنظمات النّسوية هل هي فعلاً تسير بالطّريق الصّحيح؟

في البداية، نعم كانت تعمل على تنمية مهارات النّساء وتقويتهنّ وتعليمهنّ، لكن فيما بعد تحوّلت إلى منصةٍ ربحيّةٍ لذلك انسحبت من العمل فيها.

– كلمة منك للمعتقلات؟

أنتنّ أقوى من الطّاغوت بضعفكنّ وأنوثتكنّ، أنتنّ من ستكنّ التّجربة الألمانية رقم اثنان، ستبنينّ الوطن بحبّكنّ.

– ما هو تقييمك للمنظّمات العاملة على الأرض السّورية؟

المنظّمات العاملة فقط ليست على الأرض وليست للصّالح العام إنّها منصّاتٌ ربحيّةٌ إلّا من رحم ربّك.

– هل فشلت المرأة السّورية رغم كلّ التّضحيات بنيل مكانتها؟

كلا، بل نالت المرأة جزءاً كبيراً من حقوقها وأصبحت أفضل من ذي قبلٍ بكثير.

– كلمة منك للمنظّمات المدافعة عن المعتقلات؟

نحتاج حراكاً عالميّاً لإخراج المعتقلين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى