عن اللجوء والهجرة والاندماج

أُكلتُ يوم أُكِل الثور الأبيض.. شذرةٌ عن جريمة ترحيل اللاجئين السوريين

لم يخرج السوري من سوريا طمعا في رغد العيش بقدر ما حاول أن يحفظ ما تبقى من روحه، وقد وجد في ركوب البحر على مركب متهالك يحمل ما يعجز عن حمله مراكب متماسكة، قشة الغريق الذي يحمل من الأمل اقل بكثير مما يحمله من اليأس، فإن نجا بالقشة كانت معجزة وإن غرق وهو يحاول اكتفى بشرف المحاولة وسلم روحه المنتهية إلى بارئها وسلم جسده المتعب إلى سمكِ البحر.

استضافت دول الجوار مشكورة عددا كبيراً من اللاجئين، وفي حين لم يتوقع أحد امتداد الكارثة السورية لتتجاوز العقد، اتخذت بعض الدول المضيفة منهج التعامل الإنساني مع الكارثة، كأنما هو نهر فاض فذهب سكان قرية من حوله وسيعودون لقراهم بعد انحسار الفيضان، وليس ككارثة دولة مدمرة واقعة في حرب شبيهة بثقب أسود تلتهم كل شيء، لا تتوقف ولا يلوح بانفراجها أي أفق، وأصبح حجم الإنفاق الإنساني مزادا وأداة ابتزاز وضغط على العالم، وفتح أبواب السجال الداخلي في الدول وخلق يمينا جديدا في السياسة لم تكن بعض الدول قد وصلت إليه سابقاً عماده الإعلامي بصورته القبيحة طرد اللاجئين، وبصورته الملطفة إيجاد حل للاجئين .

وذهب بعض السوريين للأسف في ظل هذا التصاعد الإعلامي في تقديم التنازلات المجانية، والقبول بإجراءات انحياز قانوني لا يمكن القبول بها، كنوع من محاباة السياسة للدولة أو نزولا عند رغبة الإعلام اليميني الذي يريد الإنسان اللاجئ كمواطن درجة رابعة ذليل وبلا حقوق، وأصبح كل يوم يتم الطلب من السوري أشياء غير منطقية ولا مقبولة فقط لأنه سوري، وهذا وضع الجميع في مكانة واحدة اسمها السوري، ظن اصحاب المكانة أو من تجنسوا أو من فُتح لهم ملف تجنيس أنهم صاروا في دائرة الأمان وبعضهم زاد في التملق بغاية تأكيد الولاء، وصار يحاول الصيد ليقول : رحلوا فلان ورحلوا من يفعل هذا، وانساقوا في تجريم أشياء لا أخلاقية ووافقوا على شرعنه عقوبة اسمها : الترحيل، وهذا غير قانوني ولا أخلاقي، ترحيل السوري إلى سوريا هو حكم بالإعدام وخاصة لمن أسس في الدولة المجاورة وغالبا قد انتقد كل الجهات المتصارعة في سوريا التي يحكمها قانون غابة وسلاح الأقوى على الأضعف، وحالات تصفية كثيرة حصلت لمن عادوا طوعا أو تم إعادتهم، وحتى التصنيفات الأممية لسوريا لا زالت تقدم سوريا على أنها غير آمنة وخطرة ولا يمكن إعادة اللاجئين إليها، إذا فإن إعادة السوري أو معاقبته بالترحيل لأنه تشاجر في مكان ما أو سأل عبر الكاميرا عن الموز أو اركل على شط البحر، إنما هو عملية إعدام من دولة قوية تستطيع أن تكون حكيمة ورحيمة وتحسن وعي الناس حول الجريمة والعقاب، وليس أن تنساق إلى حكم الجمهور كأننا ما قبل الدول كأننا في سلوك القبائل ولا قانون يمكن الاحتكام إليه .

الأسوأ هو بدل أن يتحسس الجميع رؤوسهم فهم يطأطئونها ويقولون ( ما دخلني ) بل يذهبون إلى لوم السوري وهكذا إلى أن نخلق بيئة جديدة من الحيطان إلها أدان وإلى أن يصبح السوري مذنباً لأنه لم يسكت عن حقه أو لأنه رد الاعتداء أو التبلي، وهنا أنا لا ادافع عن الجرائم أو السلوك المشين ولكني أقول لا يمكن شرعنة عقوبة أسمها الترحيل، العقوبة تُقابل الجرم، ومن احدث شجارا لأنه لم يشعل سيجارة لا يتم إعدامه .

تجلى هذا الخلل عندما ظهرت حملة إبطال بطاقات الحماية المؤقتة بالجملة للسوريين في تركيا لأنهم لم يكونوا موجودين في بيوتهم، وهذا النظام غير المراعي أساسا للتعقيدات المطلوبة المرافقة، مطلوب من السوري أن يعيش في المدن التي لا يمكن أن يحصل على فرصة عمل فيها، ثم يتم طرده من ملاك البيوت لأنه لا يدفع الإيجار لأنه عاطل عن العمل في مدينة ليس فيها عمل، يذهب إلى مدينة للعمل فيتم مخالفته لأنه مطالب بإذن سفر ومطلوب منه عدم التواجد في أماكن بعينها لأن السوري خلق كثافة فيها، وأنا لا أدري أين المشكلة في هذا؟ في سوريا سبق وصار عندنا مخيم اليرموك وبجانبه التضامن كله للإخوة الفلسطينيين، وفي مساكن برزة في دمشق سمينا شوارعا بأنها بغداد الجديدة، كما يوجد منطقة للأخوة الأرمن في حلب، وللأسف من ينسى ذلك هو الأخ السوري قبل غيره

هذه المرة طالت هذه الحملة حتى أشخاص مجنسين حديثا أو اشخاص في مرحلة التجنيس، حيثُ طلب منهم تحديث البيانات، وفي مشهد سوريالي فإنهم لم يستطيعوا حجز دور في مؤسسات تحديث البيانات بسبب الضغط، وهكذا نحن ندور في حلقة مفرغة، لا ندري هي خلل تنظيمي أو رسالة للداخل ومحاولة سحب بساط من ذريعة المعارضة السياسية وزعزعة للسوريين المقيمين في تركيا بأنكم غير آمنين …

البعض يعتقد أن ترحيل السوريين السيئين يحسن سمعة بقية السوريين والمسألة ليست هكذا، ولا ينصاع في تركيا (ولا غيرها) لهذه المفاهيم أي جالية أخرى، وحتى في إحصاءات الداخلية التركية السوريين أقل من غيرهم من الأجانب في نسبة الجريمة، وحتى لو لم يقم أي سوري بأي إشكال فهناك من سيختلق المشاكل، العام الماضي اشتكى شاب تركي من تداول صوره على أنه سوري يأركل في البحر، وكل فترة يظهر من يقول أنا سوري واخذت جنسية أو أخذت معونة على التلفزيونات ويتم كشف أنه تركي فيما بعد وهكذا لن ننتهي بقصة التبرؤ من السوريين الآخرين … إنما سنكون شرعنّا فكرة الترحيل واعترفنا بأنها عقوبة عادلة ستطالنا في النهاية .

حسناً يا إخوتي السوريين، ما أريد قوله: الترحيل جريمة، لا تقبلوا بها، لا تشرعنوها، لا تطبلوا لها، لأنها إن طالت اليوم شخصاً لأنه ظهر في أحد الفيديوهات على أنه أزعر، ستطول غدا من يعطس في الطريق، والفرق هو أنه عطس لأنه سوري!
من يقوم بجريمة يعاقب بما يلائم الجريمة من عقوبة سواء كان سوريا أو تركيا أو إفريقياً أو هندياً أو أوروبياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى