عين على سوريا

أبناء الخوف

الخوف هو إحدى أهم غرائز البقاء وأقواها، ونحن أبناء هذا الخوف، كبرنا مع الخوف من الأب والأستاذ والشرطي والحكومة والأشباح والغيلان.

إنّنا أبناء جيل حتى الفرح بتنا نخاف منه، نخاف من الحب ومن المستقبل ونخاف من يومنا ونخاف من غدنا، ففي بلادي لا شيء إلا الخوف وقد بتنا نتنفسه، عشنا أعمارنا نلوذ بخوفنا كما يلوذ الجندي في ساحة معركة بخندقه.

إنّنا أبناء الخوف ولم يسمع العالم قصة عن الخوف كقصتنا، لقد ولدنا كباراً في كهفٍ مظلم ونحن ما نزال أطفالاً نرنو للحياة بطرف خائف ونظرة زائغة.. وانتظرنا وآه كم انتظرنا دوران الأرض لنحيا يوماً بعيداً عن خوفنا.

كبرنا ونحن نسترق من الحياة بعض لحظات في غفوة الوحش وكبرنا وآه كم كبرنا وقد كبر خوفنا فينا حتى ابتلعنا.

فالخوف في بلادنا حاكم وآمر وناهٍ ولا يجرؤ أحد على مواجهته حتى تسرّب إلى كل مفاصل حياتنا، كان على شبابيك الجيران وفي الشوارع وفي الحارات وحتى على الجدران كنّا نراه يكتب الموت بدم ضحاياه.

فلا تسألوني لماذا أخاف؟

لا تسألوني لماذا أكتب عن الخوف؟

فأنا من لمست رعبهم وعشته …لا تسألوني

بل اسألوا قهقهات الجنود عند حفرة في حي التضامن لأول مرة أخاف الضحك، فحتى الوحوش البرية لا تضحك عند قتل فريستها.. استلذوا موتنا واستباحوا حياتنا.

اللوحة أصبحت صرخة، والصرخة أكثر رحمة من قهقهات جنود الحفرة، ربما يجب علينا إعادة تعريف المصطلحات جميعها بعد مشهد الحفرة، وأولها مصطلح الإنسانية المستباحة على مرأى العالم أجمع.. يجب أن نُعرِّفَ الضحك والقهقهة من جديد.. فضحكة جنود المجزرة كانت أكثر رعبا مما جرى في كامل المشهد.. وما أقصاه من مشهد..

خرجوا من بيوتهم ودّعوا زوجاتهم أطفالهم سعياً للحياة وفي طريقهم إلى الحياة كانت الوحوش بانتظارهم لافتراسهم.. في بلاد لا يعني فيها الإنسان شيئاً.. وذاك الجندي الخائف الجبان المدرع بسلاحه أمام أهله العزل.. كان يتلذذ ويتفنن برسم لوحة الموت.. لوحة الصرخة الموقعة بإجرامه.. فربط أيديهم وعصب أعينهم وساقهم إلى حفرة الموت.. كانوا خائفين حواسهم معطلة كلها عن العمل فالتوقعات التي كانت بانتظارهم كانت تفوق التخيل.. مشَوا إلى حتفهم واحداً تلو الآخر.. كل خطوة في تلك المجزرة كانت موتاً.. فكم مرة ماتوا قبل أن يموتوا.. كم مرة توقفت قلوبهم رعباً قبل أن يطلق الرصاص عليهم.. ولكن كل هذا لم يشف غلَّ أولئك الوحوش.. فأحرقوهم ورقصوا حول جثثهم.. ونبتت مساكب الحبق فوق قبورهم لتخبرنا عنهم.. لتخبرنا عن أحبتنا.. سيعود الزمن يوما ليروي ما فعلوه وحوش هذا الزمن بشتلات الحبق.. فكم من أمٍ انتظرت شم وردتها من جديد.. ولم تكن تدري أنها تمشي فوقها وأن وردتها قد ردمت تحت هذه الأرض لإخفاء عطرها.. وهل يختفي عطر الشهيد!! وكم هناك من حفر ردمت على زهور بعمر الزهور.. ليحيا القاتل بعدها على عرشه المزركش بدم الزهور..

وزحفت زلازل قلوبنا نحو تلك الحفرة لنُهدِأَ من روع ما رأوا قبل استشهادهم ويا لهول ما رأوا… تفجرت براكين صدورنا وانهار أنهار دموعنا المحبوسة منذ دهرٍ.. كانت تأبى النزول.. فنزلت حرقةً عليهم ليعيشوا غصة بقلب كل طائر حرٍ أبى أن يكون ظلا أو عبدا..

ونحن بدورنا لم نعد نستعطف أحداً.. لا بشراً ولا حجراً.. فقد انقلع القلب.. وتكسرت الضلوع. واختنقت الكلمة.. فماذا نقول لهم؟

كل هذا الموت لم يكن لكم.. وقدمنا لهم كل ما في القلب من وداع يليق بهم.. ولا نوفيهم!!!

وللتكفير عن جريمته خرج المجرم علينا بعفو عن ضحيته..

وهكذا صرنا نموت فجأة ونحيا فجأة..  وبين موت وموت ننهض لإعلان الحياة من جديد.. بعيدا عن أعين القاتل..  وصار الموت يعبرنا كل يوم كالصدفة فألفناه.. وألفنا صراخ الأمهات وأنّات الوجع..

خرجوا من سجونهم كالميت الذي ينهض بعد موته..

وأخذ الخوف زاوية فيهم واستقر فيها.. وانتقل بعدها الى كامل أعضائهم وحواسهم.. وسيطر عليهم.. كفيروس كبير يدخل إلى شريط DNA ويغيره فيلغي كل ما فيه من أحاسيس ومشاعر ليحل محلها أحاسيس ومشاعر أخرى تلغي كرامة الإنسان وحريته يشوه الإنسان من الداخل فيجعله شبه إنسان.. فخرجوا بعيون جاحظة.. ولسان ثقيل بالكاد ينطق.. وحركات ثقيلة أنه الخوف نعم الذي يسكنهم بكل خلاياهم خلية خلية..  فالإنسان الخائف يمكن أن نميزه من طريقة مشيته الثقيلة الحذرة وارتعاش شفاهه من أقل الأمور وأبسطها.. يلجأ إلى جدران الرصيف يتكأ عليها علها تحميه.. يلجأ للجلوس بجانب النوافذ ليتنفس.. يكره الأماكن المفتوحة الصاخبة.. باختصار كان الخوف يحتل المكان كله ويلغيهم ويتحكم بالجملة الارادية كلها.. فخرج المعتقل مقيدا.. يحلم بالحياة والحياة لا تبالي لحمله يمشي فيها أسيرا لخوفه..

 

فالخوف يدخل في أحلامنا ليلاً ليسرق آخر فسحة من الأمل والحب.. يدخل في الجوارير والمرايا.. خوفنا قديم لموت جديد.. خوفنا جديد لموت جديد..

وتحرر أسرانا بملامحهم الجديدة الخائفة.. تحرروا بأجسادهم وبقيت قلوبهم قيد الاعتقال فلا شيء يمكن أن يحرر إنساناً خائفاً..

الخوف فكرة زُرِعت فينا.. ولا يمكن التخلص منها بل يجب التعايش معها أن نمشي معها ونرافقها حتى نستطيع أن نكمل حياتنا معها..

فنحن لسنا الا غصن شجرة مكسور تعبث به الريح وهو يقاوم السقوط متأملاً أن تزوره رياح الربيع فترد الحياة له يوماً..

وكلنا أمل أننا سنحيا ذات يوم..

هكذا تقول الحكاية..

ونحن عشنا عمرنا نحلم بالنهاية..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى