عين على سوريا

باكس[1] الأُسود!

"بوكس" في قلب الأمة

عندما فحص عالم النبات ريتشارد ديكين كولوسيوم روما في خمسينيات القرن التاسع عشر، وجد 420 نوعا من النباتات قد نما بين الأنقاض. بينها ما كان شائعا في إيطاليا كشجر السرو والقدس، ونبات الكبر، وعشب الناب والشوك، إضافة إلى 56 نوع من العشب أكثرها نادرة. وجود تلك النباتات في كولوسيوم روما مازال لغزًا “نباتيًا” حتى الآن لكن علماء النبات ومنهم ديكين، في محاولة لتفسير اللغز ارتأوا التالي:

البشر والأسود التي حُمِّلت من إفريقيا إلى روما كي تسلي المتفرجين هي التي أتت ببذور تلك النباتات والأزهار النادرة التي نبتت في تربة الكولوسيوم في روما. كانت حاملة للبذور في جلودها وداخل فرائها وأحشائها. وعندما مزقت بعضها بعضا إلى أشلاء ثم نفقت في الحلبة ترجل عنها ركابها النباتيون (البذور النباتية) واستقروا على التربة إلى أن أتى يوم أزهروا فيه فأنبتوا عشبا وزهرا وشجرا..

في بقعة من الكولوسيوم السوري الشاسع تعرف باسم “جسر الرئيس” زحف طوفان من البشر، هم بعض من الأقرباء لما ينيف عن الأربعمئة ألف مفقود ومحتجز في غياهب المعتقلات السورية، إثر الإعلان عن مرسوم رئاسي بالإفراج عن عدد غير معلوم من المعتقلين سماهم المرسوم “إرهابيين”.  فربما يكون بين المفرج عنهم أحد الأحبة المغيبين من عقد أو عقود من الأعوام.

حدث الزحف في يوم من أيام عيد الفطر. 

ما ورد في مرسوم العفو كان صادما. فالدولة قد عفت عن عدد من معتقلي الرأي دعتهم “إرهابيين”. الدولة وفقا لنص القرار” وجهت دعوة مصالحة لأبنائها الذين تورطوا بجرائم إرهابية للاستفادة من المرسوم والعودة لحياتهم الطبيعية“.

يا له من باكس رئاسي كريم، وبالجمال المصالحة، وعظمة العفو، والسلام!

آلاف من الأبناء، الأخوة، الآباء، الزوجات، الأزواج، اندفعت من ضفاف الجسر، من فوق الجسر، من تحت الجسر، على الأرصفة ونواصي الساحات القريبة من الجسر, يشخصون بأبصارهم إلى قارعة الطريق النازلة من صيدنايا, المعتقل الشهير أحمر اللون لأنه طلي ذات مرة بدماء المعتقلين.

 عيون الجميع تبحث بضراوة عن هيكل عربة، صندوق حديد، مقلب للقمامة، قفص للفرائس ربما يقل في داخله جسدا لحبيب قد يكون بين من أفرج عنهم.
المسافة بين مبنى المعتقل وجسر الرئيس ست ساعات للسائر و42 دقيقة للراكب، ولكن المسافة لم تمنع بعض المنتظرين من السيرعليه ذهابا وإيابا تحفزا للقاء من طال بهم الغياب ولا يجيئون.

لماذا الجسر؟ ولماذا في أيام العيد؟

لا أحد يدري سوى صاحب الباكس الكريم فهو من أصدر مرسوم العفو.

لكن الباكس لم يكن سوى “بوكساَ” في وجوه المنتظرين!
من بين نصف مليون إنسان سوري رماهم النظام في سجونه منذ بداية الحرب في سوريا 2011 خرج ستون.

الباكس الأسدي شبيه بالألهوة!

 لعبة كلعبة المتاهة يتسلى بها معتوه سعيد. فلا لوائح بأسماء المُفرج عنهم، لا عناوين لأماكن التسليم، والعربات تجيء حينا فارغة لا مساجين فيها وحينا حاملة بعض الهياكل البشرية الناحلة. وطوفان المنتظرين في المتاهات يلوب في البحث ذات اليمين وذات الشمال.
الستون سجينا الذين أفرج عنهم تم رميهم عشوائيا وسط المتاهة في شوارع ما عادوا يعرفونها. معطوبون في الجسد والروح وبعضهم فاقد ذاكرته لا يحملون أوراق ثبوتية، لا مال (إن اعتبرنا أن دولارا واحدا في يد كل مفرج عنه هو من قبيل المال) لا وسائل اتصال، لا بوصلة ولا دليل.
يا للتسلية المفرقعة… فالمفرج عنهم قاب قوسين من الموت وبدلا من أن يلقى بهم في حفر الموت ألقي بهم إلى ما بالكاد يدعى “حياة.

هذا هو باكس الأسود!

يوم الإفراج يهجم الكلاب على المنتظرين يضللونهم بسيل من الأكاذيب عن عدد المفرج عنهم، أسمائهم وأماكن الإخلاء، يروعونهم ويهددونهم بالقتل والإخفاء والتوقيف إن هم تذمروا من طول وعبثية الانتظار.

يوم الإفراج تجول أبواق الإعلام الموالي في الجادات صادحة بالشكر “لخصاله السمحاء الكريمة”, تستجدي من أفواه الواقفين ثناء وامتنان، رغم فداحة ما هم فيه من خيبة، ظلم وبلية.
للاسم والمكان والتوقيت في باكس الأسود رمزية مؤلمة…

“الرئيس” هو الاسم الذي أطلق على هيكل من الحديد والاسمنت المسلح بكل ما يرمز له البناء إلى من الثابت، القوي، الجبار المقيم، إزاء متحول هو المنهك المتضعضع المدمى من اللكمات.

التوقيت: عيد الفطر. عيد يبذخ فيه عادة الصائمون فيكافئون جوعهم بالأطايب. ولكنه حل هذا العام في زمن بلغت فيه المجاعة والفقر والحرمان والغلاء ذروتها. التوقيت يصادف أيضا حلول ذكرى عيد وطني كبير هو عيد الشهداء الاتي بعد أيام من صدور المرسوم. التوقيت يصادف أيضا انقضاء أيام على الكشف عن مجزرة مروعة في حي من دمشق يدعى التضامن.

الإسقاط الرمزي: أنا الرئيس ومن تحت جسري الطوفان!

الرئيس الابن لا يصدر عفوا بالمجان دونما مقابل.
في أيار من العام الماضي 2021 أصدره قبل أسابيع من إعادة انتخابه رئيساً للمرة الرابعة.
في أيار من هذا العام 2022 أصدره إثر تسريب فيلم المجزرة.

الرئيس الأب أصدر عفوا أواخر العام 1991 أمرا فيه بالإفراج عن (2800 معتقل) كان قد أخفاهم واعتقلهم دون محاكمات ثم جعل ذويهم ينتظرون سماع أخبار عنهم نحو اثنتي عشرة عاما. حينها اندفع طوفان المنتظرين نحو ساحات المدن ومداخلها وربض ينتظر على إسمنت الأرصفة. كثير ممن حملهم الطوفان لم يملوا الانتظار فقضوا أياما وليال لا يبرحون. كثيرون غابوا عن وعيهم من شدة الإعياء. كثيرون عادوا على أعقابهم إلى بيوتهم خائبين. كان مرسوم العفو للكثيرين منهم إيعازا ببدء حداد طويل فأبناءهم لن يكونوا يوما في عداد العائدين.

باكس الأسود في سوريا لا  مثيل له في التاريخ المعاصر ولا الغابر.
غوطسا الرومان, أو “الباكس الروماني” نشر سلاما زمن «الأباطرة الصالحين» دام داخل حدود الإمبراطورية من 27 قبل الميلاد حتى 180 , من عهد أغسطس إلى ماركوس أوريليوس م.
في ذلك الحين عم في الإمبراطورية ازدهار عميم حيث البطالة انخفضت, نشاط البناء زاد, التجارة تعززت, والبحارة بعد طول خشية من خطر الحرب الرهيب أخذوا يتجرؤون على الإبحار لفترات أطول دون الحاجة إلى القلق من غزاة أو قطاع طريق, و النظام الضريبي صار أكثر كفاءة, والعملة توحدت بين جميع أنحاء الإمبراطورية .

 فماذا تحقق أو يتحقق مع باكس الأسود في الإمبراطورية السورية؟
سورية منهكة من جراحها، شعب مشرد بأعداد هائلة في أصقاع الأرض, مزيد من القتل, تأليب العداء بين الطوائف, مزيد من مشارع التقسيم ل, و التفريط بأراضي الدولة  لصالح الأعداء الضواري, تهديم كامل للتجارة والاقتصاد, فرض البطالة, إشاعة القلق والرعب من النزاعات المسلحة والخطف والسلب والنهب والخطف وفرض الخوات من العصابات, حرق العملة المحلية مقابل هيمنة الأجنبية, فشل النظام الضريبي, تدمير ممتلكات الناس وترويع كل من سولت له كرامته أن ينتصب بقامته و يطالب بلا عنف بالحق أو يجاهر بالحقيقة.

 نصف مليون إنسان سوري رماهم النظام في سجونه أو أخفاهم أو قتلهم منذ بداية الحرب في سوريا 2011. أكثر من مئة ألف من معتقلي الرأي ماتوا تحت التعذيب أو سوء ظروف الاعتقال.
ورغم أن المنظمات الحقوقية اتهمت النظام باستغلال قوانين مكافحة الإرهاب “لإدانة ناشطين سلميين” وممارسة التعذيب حتى الموت والاغتصاب والاعتداءات الجنسية والإعدامات خارج إطار القانون، لم ولا يتخذ أي إجراء، وما زال النظام طاغوتا لا يتضعضع قيد أنملة والشعب تحت نير ظلمه يمور.

طوفان الشعب الذي اجتاح الشوارع والساحات إثر مرسوم الإفراج لا يشبه في شيء ذلك الذي وصفه الشاعر ييتس[2] في نشيد فصحه. في طوفان ييتس كان الثائرون قادمين “بوجوه مشرقة من المدارس ومن خلف طاولات المكاتب”. في الطوفان السوري زحفت وجوه غضنها القهر والفقر، لا صراخ، لا غضب، لا أذرع تحمل البنادق، لا حلل بلون اعلام الوطن، ولا أحصنة مجنحة تعربد في ساحات الوغى، إنما تنهدات وأنات مكتومة.

لعل الغاية أن يتلقى السوريون “البوكس” تلو الآخر إلى أن تمزقهم اللكمات وتصير لُحمتهم أشلاء.

لعل الغاية أن توغل العتمة في قتامتها كي تشتد نصاعة النور عندما يحل زمن النور.

لعل الغاية أن يطول السبات ببذور الحديقة.

وحين يحين أوان التفتح، وهو قادم لامحالة، سيولدَ عندئذ ذلك “الجمالٌ المُريع[3].

 لأن “التضحية الطويلة جدا قد تصنع حجرا من القلب ولابد لها من نهاية[4]!

باكس السلام الحقيقي قادم يا بلدي، لا محالة في طوفان من الزهر والعشب والنبت الوفير.

فتعللو بالرجاء أيها القانطون لأن الضوء لابد آت بعد كل هذا العتم المقيم.

[1]ax Romana
Paix romaine
Roman Peace
باكس رومانا باللاتينية تعني “السلام الروماني”, مرسوم للسلام والمصالحة غطى فترة زمنية بلغت حوالى مئتي عام بعد عهد في التاريخ الروماني طغت فيه الحروب والصراعات. يقال أن الباكس الروماني هو عص الذهبي في حياة الامبراطورية الرومانية.

[2] الشاعر الإيرلندي ييتس ا Easter 1916 كتب قصيدة انتفاضة عيد الفصح في أيرلند
William Butler Yeats )1865-1939(

[3] التعبير مستعار من قصيدة الفصح 1916 للشاعر الإيرلندي ييتس

[4] التعبير مستعار من المصدر ذاته

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى