عين على سوريا

في الذكرى الثالثة لرحيل الدكتور طيب تيزيني

" استثنائية طيب تيزيني، الدكتور الباحث والمفكر في الشأن العام، والمعارض المناسب مع النظام غير المناسب"

في احتكاكي المباشر القليل معه بدا لي أيديولوجيًّا بالمعنى السلبي، ثم اكتشفت أنه يتمتع بكل إيجابيات الأيديولوجي أيضًا.
بالنسبة إلى كثيرين، وأنا منهم، فقد كان تيزيني ماركسيًّا قحًّا وماركسيًّا أكثر من اللازم في الوقت نفسه.

كان يمكنه أن يقول الشيء ذاته، في سياقات مختلفة أشد الاختلاف.

في بعض الأحيان كان فكره عامًّا لدرجة أن محاولته أن يقول كل شيء تفضي به إلى ألا يقول شيئًا.

أذكر ان العظم، في حديثٍ خاصٍّ، أبرز الاختلاف بينه وبين تيزيني بالقول: دكتور طيب جاهز لإعطاء محاضرة عن أي موضوع بدون أي إعداد أو استعداد مسبق؛ أما أنا فبحاجة إلى كثير من التحضير والإعداد المسبق.

أثار ذهولي حين سمعته يراهن على وجود حكماء في تنظيم الدولة الأسدية. لكنني أتساءل أحيانًا، ربما كان كلامه محاولة لصنع أو اصطناع هكذا حكماء، لتجنب مواجهة ما هو أسوأ.

شارك طيب تيزيني في الاعتصام أمام وزارة الداخلية في بداية الثورة، للمطالبة باطلاق سراح المعتقلين في السجون السورية، لكنه، للأسف الشديد، تعرض للضرب والإهانة والاعتقال لسويعات.

بغض النظر عن مواقفنا الفكرية الأيديولوجية الفلسفية إلخ، فقد كان طيب تيزيني من أبرز أعلام الثقافة والفكر (الفلسفي) العربي والسوري في العقود الاخيرة.
في ظل سيطرة النظام الأسدي على كل مفاصل الدولة والمجتمع تقريبًا، كان من النادر أن تجد بيئة تمارس نشاطًا غير مضبوطٍ أو غير مرغوبٍ من هذا النظام.

وينطبق ذلك على الجامعات التي أصبح جوها العام أشبه بجو المدارس الثانوية التي يتحكم فيها مدرب الفتوة وأمين الفرقة الحزبية والمخبر نائب المدير أو معاونه.

وحين يسألني بعض الأشخاص غير السوريين عن الموقف السياسي لأقسام الفلسفة ودكاترة وطلاب الفلسفة في سورية، أجيبهم بأن هذا الأقسام تحولت عمومًا إلى ما يشبه “معاهد تحفيظ الفلسفة”، كما يقول صديقنا احمد اليوسف. ولولا وجود بعض الاستثناءات لكانت عملية الاختناق والخنق قد حققت كامل أهدافها.

وطيب تيزيني كان من هذه الاستثناءات. فإضافةً إلى أنه صاحب موقفٍ فلسفيٍّ/ أيديولوجيٍّ واضحٍ ومؤسَّسٍ، فقد كان مستمرًا في بحثه ونشاطه الفكري. ويمكنك ان تختلف او تتفق معه، جزئيًّا أو كليًّا، لكن لا يمكنك أن تقول إنه كان فارغًا أو ضحل المعرفة وقليل الفهم أو مجرد مدرسٍ متواضعٍ كما كان ومازال حال معظم دكاترة الفلسفة في جامعات دمشق وحلب واللاذقية. كان صاحب مشروعٍ فكريٍّ ورؤيةٍ فلسفيةٍ/ أيديولوجيةٍ.

إضافةً إلى ما سبق كان للتيزيني موقفٌ وقولٌ وفعلٌ في قضايا الشأن العام في سورية والعالم العربي. وهذا أمرٌ جد نادرٍ في سورية وجامعاتها عمومًا، وقسم الفلسفة ليس استثناءً في هذا الخصوص. ولا أعرف دكتورًا غيره شارك في اعتصامٍ مطالب بالحريات. ولا أعرف دكتور فلسفةٍ غيره شارك في مظاهرةٍ مناوئة لنظام الاستبداد في سوريا. فهو في هذا المضمار كان استثناءً حقًّا.

وإضافةً إلى ذلك، فقد كان وقلة من دكاترة الفلسفة وبعض المثقفين السوريين من أوائل الموقعين على البيانات المطالبة بالإصلاح والحريات في العقد الأول من هذا القرن. وحاول في كتاباته التنظير النقدي للنظام ولما أسماه بحقٍّ “الدولة الأمنية” و”الأبدية الأسدية”.

بدا غريبًا أن يراهن، في الأعوام الأخيرة التي تلت قيام الثورة، على إمكانية وجود حكماء في هذه الدولة الأمنية الأسدية الأبدية”، لكن ربما كان يحاول الإسهام في خلق أو اختلاق هؤلاء الحكماء، على الرغم من علمه بانعدام وجودهم، وباستحالة وجودهم على الأرجح. لقد راهن على أن يعي النظام ومؤيدوه أن لا حل ولا مستقبل لسورية مع استمرار الدولة الامنية والأبدية الأسدية، وانه لا بد من القيام بتغييرٍ جذري وعميقٍ في بنيان هذه الدولة. لكن رهانه كان خاسرًا للأسف.

لقد كان طيب تيزيني المعارض المناسب في المكان غير المناسب: في الدولة الأمنية الأسدية الأبدية.

لدى طيب تيزيني، بوصفه مفكرًا وإنسانًا وفاعلًا ثقافيًّا وسياسيًّا، الكثير من سلبيات الأيديولوجيا وإيجابياتها.

أحر التعازي لكل محبيه، وأنا منهم، بغض النظر عن أي اختلافٍ فكريٍّ أو أيديولوجيٍّ أو سياسيٍّ
إكرام المفكر نقده: وآمل أن يحظى طيب تيزيني بالإكرام والتكريم المستحقين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى