إشكالات مجتمعية

مسافة أمان..

كلما خضنا في هذه الحياة، كلما تعلمنا أن نحافظ على مسافة أمان مع من حولنا، في الحب، في الحياة، وفي كل مجالاتها يجب أن نحافظ على هذه المسافة.
ففيها فقط تكمن حريتنا، مساحتنا الشخصية ومساحة الطرف الآخر، وتجاوزنا لهذه المسافة سيكون ذوباناً فيه خطر علينا وعليه، وهكذا تفقد العلاقة أياً كانت توازنها.

(سأموت بدونك).. (أنت نصفي الآخر).. (أنت تكملني..).. (حياتي من دونك لا معنى لها…) متخمين بالوعود.. بالورود نحيا دون أن نحيا بعبارات لا تدل على الحب بقدر دلالتها على انصهارك بالآخر وأنك لا شيء بدونه، مما سيخلق بينكما سيد وعبد، تابع ومتبوع همه فقط رضا سيده. والحياة ليست حياة بإنسان ناقص..

طبعا هذه المسافة يجب أن توجد حتى بعلاقتنا مع أبنائنا، فللأسف إنجاب طفل يعني لدى الاغلبية امتلاكهم لهذا الطفل مدى الحياة، فتغيب المسافة ويسيطر دور الأب والأم ليديرا كل خيارات حياة هذا الطفل، فيغدو روحاً ليس لها قرار، لا مساحة شخصية ولا خصوصية.

يشبُّ ويكبر وهو لا يزال تحت رعاية أبويه فيكون حجم القلق والخوف عنده كبير من مواجهة الحياة، فتأتيه المسؤولية دفعة واحدة، والتي كان يجب أن تتدرج رويداً رويداً خلال حياته، حتى يكون قادرا على تحملها ومواجهتها. فكيف لشخص لم يعتد على المسؤولية يوماً أن يستقل وأن يبدأ حياته وحده..!! فيتعثر بأصغر الأمور وأبسطها.

يكمن دور الوالدين الأساسي بالتربية بعيداً عن السيطرة، بنقل تجاربهم في الحياة دون النظر لطفلهم على أنه امتداد لهم وتابع. فيخافون على أطفالهم من الحياة ومشاكلها والتي هي تعد عاملاً أساسياً في تطور شخصيتهم، حيث يتعلم الطفل كيف يواجه هذه المشاكل ويبدع عقله في اختراع حلول لها، دون إسقاط تجارب الأهل على مشاكل الحاضر هذه.

فاستمرار الماضي فينا وسيطرته على مستقبلنا يقتل أي أمل بهذا المستقبل. ولأن أغلبنا يخشى المجهول ويتشبث بعاداته وقناعاته، يقاوم هذا التغيير ويتصدى له، فتنعدم المسافة ونبقى سجناء ماضينا وعاداتنا، فنغدو السجن والسجين والسجان. نعيش في سجننا مكبّلين لا نستطيع المضي قدماً، ولكن الحياة ستفرض علينا عاجلا ام آجلا من الخروج من كهفنا حينها سنخرج نحو عالم نجهله ونجهل التعامل معه وكرجال الكهف سنسأل كم لبثنا..!! فلنترك أنفسنا لحاضرنا ليقودنا نحو مستقبلنا، لنترك مسافة لأولادنا، لأحبابنا، حتى نتنفس فيها معهم وبهم.

وللأسف أغلبنا يجهل التعامل مع أحاسيسه والتحكم بها، فيعتقد أن سيطرته وتدخله بكل تفاصيل من يحبهم هي حباً وخوفاً عليهم، وهو ومن دون أن يدري يتعدى على مساحتهم الشخصية، فيحاول امتلاكهم فيخسرهم أكثر.

في النهاية أقول: أيها الإنسان، أنت لا تملك إلا نفسك، فأولادك أصدقائك وأحبابك هم ملك أنفسهم. أغلق باب أنانيتك، باب تسلطك، أغلق الباب واحفظ مسافة أمان معهم وأطرق باب قلوبهم قبل أن تدخل، حينها سينفتح الباب لك ضاحكًا..!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى