رأي

المتآمرون على الإسلام !

قد يجهل الكثيرون من أبناء جلدتنا.. أن عشرات المحافل الثقافية والفلسفية والأكاديمية بالإضافة إلى مئات الكتَّاب والمؤلفين والصحفيين والإعلاميين هنا في أوروبا وفي ألمانيا وفرنسا تحديدا… يتناولون الثقافة المسيحية، والإنجيل، الكنيسة، والتاريخ المسيحي وحتى المسيح ذاته… نقداً وتحليلاً وتفنيداً وسخريةً في بعض الأحيان.

حقيقةً.. لا يروق ذلك المسحيين المتدينين، ولا رجال الدين والكهنوت بالطبع، إلا أن نعوتاً مثل:
– أنتم متآمرون على المسيحية
– أنتم تهاجمون الدين
– عداء المسيحية
– لمَ لا تنتقدون الأديان الأخرى كاليهودية والإسلام؟
– العلمانيون يستهدفون المسيحية
– لا بد لنا من نصرة الدين والوقوف في وجه الهجمة عليه

… لهي مصطلحاتٌ غير موجودة على الإطلاق حتى في القاموس اللغوي الشعبي لدى أكثر المؤمنين بساطةً وأقلهم ثقافة لا لميزة خارقةٍ لدى الأوربي الابيض وليست موجودة في من هم سواه من البشر.. إطلاقاً
بل هو امتلاك أدنى درجات الوعي التي تمكن الإنسان من إدراك المنطق الأعوج أو اللا منطق في إطلاق هكذا عبارات وهكذا أحكام.

إذا ما رصدنا آراء وردات فعل الوسط الشعبوي المشرقي المتدين والمسلم في غالبيته بخصوص ذات الموضوع..

فقد أصابني السأم والضجر معاً.. من ربط الكثير من المشرقيين نقد الدين أو نقد ظاهرة تحمل شكلاً دينياً بالعلمانية ووضعهم الدين والعلمانية على خطي مواجهة
والعلمانية المبنية على أساس فصل منظومة الدين عن منظومة الدولة وأن تقف الدولة على مسافة واحدة من كل مواطنيها وتكفل لهم كل حقوقهم وحرياتهم بغض النظر عن معتقداتهم بعيدة كل البعد عن كل ذاك الهراء الرائج للغاية.

وعليه.. لا يوجد علاقة ما بين علمانية كاتب ما ونقده للتراث الإسلامي أو الحجاب أو زواج القاصرات في الاسلام.

العلمانية نهج دولة يرى ” س ” من الناس أنها النهج الافضل والأقوم في بناء دولة ما. والرأي الذي يبديه ذات ال ” س “

حيال أي قضية دينية لا ينبع على الإطلاق من العلمانية ولا يمت لها بصلة.. هو رأي كونه من قناعة شخصية وبحث وقراءة واستنتاج.

إذاً فلمَ يركز هؤلاء الكتاب كل جهدهم الفكري وكتاباتهم على كل ما يتعلق بالإسلام.. ألا يوجد عنف وذكورة وطبقية في الأديان الأخرى ألا يعد ذلك تحيزاً ضد الإسلام؟

لا.. لا يوجد تحيز، ونعم كل الأديان تحوي في طياتها عنفا وذكورة وطبقية هذا صحيح… لكن وبصراحة وباختصار شديد تأثير تلك الأديان كاديان أو كمنظومات في المجتمع والثقافة والعرف السائد والتاريخ والسياسة والاقتصاد والنزاعات في الشرق هامشي بل ومجهري للغاية، حصة الأسد المؤثرة والوازنة والفاعلة ذات الأثر البين في كل السياقات التي ذكرتها هي للإسلام وبجدارة.. وعليه فمن الطبيعي جدا بل ومن المطلوب علمياً أن يكون الدين الاسلامي تحت مجهر النقد الفكري والتحليلي.

وعليه فالكلام عن أي مؤامرة أو استهداف هو كلام طفولي تافه وقشري للغاية.. أين المؤامرة والاستهداف في أن يعمل أحدهم عقله ويكتب ما قد استنتجه من هذا النشاط الذهني والفكري؟ أخطأ أو أصاب.. الاحتمالان ورادان على أي حال في كل مجهود بشري.. أليس كذلك؟ وقد يكون موضوعياً وقد ينزلق إلى الإسفاف والتفاهة والسفه.. كل ذلك وارد
… لكن اين المؤامرة والاستهداف والعداء في ذلك؟
واين هي نصرة الدين في شتم وتحقير واخراس كل من يفكر ويكتب ما يخالف الدين ؟… ما هذا إلا تزيين اصطلاحي للتشبيح والقمع بثوب ديني لا أكثر ولا أقل.

حقيقةً.. يصيبني الانبهار والدهشة كلما غصت في مطالعتي كتبا ترصد الحراك الثقافي والفلسفي في المشرق منذ ٧ قرون
لما أجده من الانفتاح السائد إزاء آراء ومسالك نقدية جريئة للغاية تطال الدين الإسلامي من مفكري ومتحدثي وأدباء ذاك العصر حدث ذلك دون أن يراهم رجال الدين التقليديين خصوما وأعداءً ودون أن يراهم الناس متآمرين حاقدين على الإسلام،
لتصل الجرأة بالأخطل التغلبي ” أحد شعراء الحقبة الأموية ” إذ قال ساخراً من مناسك الإسلام :
ولست بصائمٍ رمضان طوعاً
… ولست بآكلٍ لحم الأضاحي
ولست بقائمٍ كالعير أحنو
… إذا ما صاح حي على الفلاح
ولكني سأشربها سكاراً
… وأسجد عند منبلج الصباح

ولم يتعرض له أحد وعاش حياةً هانئة ومات بسلامٍ في فراشه. تخيلوا ؟!
أعود إلى الواقع فتخذلني تلك الردة الثقافية وهذا التحجر والتمترس الشائع لدى المشرقيين.. وكأننا نمشي متقهقرين إلى الهاوية !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى