عصير ثقافي

أين ظلنا العالي؟

منذ صغري وصوت الشاعر الفلسطيني محمود درويش يعلو في منزلنا، ربما يعود ذلك لاعتياد أخي الأكبر الاستماع إليه يومياً عبر أشرطة الكاسيت آنذاك، ومن أكثر القصائد التي بقيت في ذاكرتي قصيدتان.. شتاء ريتا الطويل، ومديح الظل العالي، ربما لأنني عشت قصتين متشابهتين لما عاشه درويش في هاتين القصيدتين، فكما عاش درويش قصة حبه الكبرى مع الفتاة اليهودية التي أسماها في قصيدته “ريتا”.. كنت قد عشت قصة حبٍ انتهت بالفشل بسبب اختلاف الطائفة أو المذهب، أما بالنسبة لمديح الظل العالي، فربما لأنّني كشاب سوري أرى تجسيد رثاء درويش للثائر الفلسطيني مطابق لما عاشه الثائر السوري من خذلان.

كتب درويش ملحمته الشعرية هذه إبّان الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، وتخاذل العالم العربي مع الصمود الفلسطيني، والذي أدّى إلى خروج الثوار الفلسطينيين إلى تونس وقتها.

وفي التشابه الذي تكلمت عنه مع حالة الثائر السوري، فقد ذكر درويش ثبات الثائر الفلسطيني بأنّه رغم انسحاب العرب “والذين سمّاهم الصحابة” فقد كان وحده (يقاوم وحدة الروح الأخيرة) رغم استناده (لجدارٍ ساقطٍ في شارع الزلزال).

بالعودة إلى ظل درويش العالي، يقول في إحدى مقاطعه.. “أنت منذ الآن غيرك” وكما أسلفت سابقاً بأنّني أسقط القصيدة على الحالة السورية، فقد صرت غيري وصار ظلي غير ظلي، فظلنا جميعاً أصبح في بلاد المنفى، أو كما سماها درويش “بلاد الله”.

قبل أن أختم ما في عقلي والذي أحاول تجسيده على هذه المساحة البيضاء، أريد أن أسأل نفسي _أو ربما علينا أن نسأل أنفسنا: “أين ظلنا العالي؟”

سألت نفسي ذلك بعد شعور غريب انتابني حين صفّق كل من في القاعة وربما كانوا أكثر من مئة شخص لدرويش، وذلك حين جسد الصمود الرهيب للمقاتل الفلسطيني قائلاً:
“ألف قذيفة أخرى ولم يتقدم الأعداء شبرا واحدا”، لتتمثّل أمامي حالة الصمود الذي عاشه الثائر السوري في حلب وريف دمشق.

وفي النهاية، أختم بالمقطع المفضل لديّ من هذه الملحمة:
قَصَبٌ هياكلنا
وعروشنا قَصَبُ
في كُلِّ مئذَنةٍ، حاوٍ، ومغتصبُ
يدعو لأندلس، إن حُوصرتْ حَلَبُ.

Latest posts by عمران الحلاق (see all)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى