رأي

الأكراد والإسلام السياسي .. قصة الحب والحرب !

إذا كان هناك قائمة للمجموعات العرقية التي استفادت الاستفادة العظمى والقصوى من الإسلام السياسي ومفهوم دولة الإسلام طوال أربعة عشر قرن من الزمن.. فإن الأكراد يأتون بعد العرب مباشرةً في تلك القائمة.

منذ انهيار دولة الميديين الآباء الأُوائل للأكراد على يد ملك الفرس كورش قبل خمسة قرون من ميلاد المسيح انطفئ أي تأثير سياسي أو عسكري كردي ذو وزن وبصمة ظاهرة للأكراد في الشرق.

تلى ذلك التاريخ موجات كثيفة من اضطهاد الفرس للمجاميع البشرية الكردية.. اضطهاد وصل في كثير من الأحيان إلى مرتبة المجازر والجرائم الجماعية مما أدى إلى هجرات جماعية للكثير من الكرد من مواطنهم الأصلية مما يعرف حاليا بإيران وأذربيجان إلى كل من هضبة الأناضول والمناطق الشمالية لسوريا الطبيعية.

الغبن الفارسي الزردشتي الطابع والهوية للأكراد.. كان ” كما أرى ” السبب الأكبر في إقبال غالبية الأكراد على اعتناق الإسلام بهذا النهم وبتلك السرعة الهائلة بالمقارنة بالشعوب القديمة التي قطنت المنطقة إبان الغزو العربي إسلامي الطابع وإقامة دولة للعرب هناك.

لم يظهر الوجه الكردي جلياً في بدايات الدولة العربية الإسلامية أو ما يسمى بالخلافة الراشدة.. عواطف الدين والدين وحده كهوية جامعة كانت طاغيةً وبقوة فوق أي انتماء آخر.

ولم يتح الأمويين لغير العرب الأقحاح تقلد أي منصب سياسي أو عسكري وحتى ديني.

لكن منذ منتصف الحقبة العباسية وحتى انهيار الدولة العثمانية ونجم الأكراد في المنطقة في صعود، لا على صعيد تقلد المناصب السياسية والعسكرية وإقامة الدول فحسب … لقد ترك الأكراد في المنطقة أثرا ثقافياً واضحاً لا ينكره إلا جاهلٌ أو غابنٌ لحق.

ولو تأملنا وجوه كبريات مدن الديار الشامية.. كدمشق وحمص وحماة واللاذقية وطرابلس وصيدا وبيروت وعكا ويافا والقدس لوجدنا بصمة الأكراد حاضرةً في:
الازياء والموسيقى والمعمار والمطبخ واللهجات الدراجة المحكية ولو تبحرت في هذه النقطة بالذات قراءةً وبحثاً وسرداً فستدهشون لمدى عظم تلك البصمة.

ومما يجدر بالذكر والتنويه.. تكرس النفوذ الكردي سياسياً وسلطويا واقتصادياً وعسكرياً وثقافيا وإقطاعيا كوجه كردي جلي وواضح طوال الفترة التي حكم فيها العثمانيون بشكل فاق أي مرحلة سياسية في التاريخ الحديث للمنطقة.

بالرغم من التجربة الإيجابية للأكراد مع الإسلام السياسي ودولة الإسلام تشهد الكردية السياسية خصومة معه يصاحبه نفور شعبي من الإسلام ذاته فما السبب الحقيقي وراء ذلك؟

انهار ثِقل الأكراد في المشرق دفعة واحدة فيما يشبه طرفة العين مع انهيار دولة العثمانيين وقيام دولة ترفع الهوية التركية والقومية التركية كشعار حصري لها.. إخوة الدين بالأمس أصبحوا أتراكاً واتراكاً فقط، وأصبح أكراد الأناضول وديار بكر مطالبين قسرا بإلغاء كرديتهم لصالح هوية الدولة الجديدة وقوميتها.

من جهة أخرى … انتقلت عدوى القومية إلى الدول الحديثة التي قُسمت ووزعت على خصوم العثمانيين لتكون تحت انتدابهم وحكمهم. واجه الكرد في وقتها حالة من الإشكال الهوياتي أمام المد القومي العربي الذي بدأ منذ تأسيس جمعية العربية الفتاة مرورا بالحوراني وعفلق ووصولاً إلى الذروة الناصرية إبان الوحدة مع مصر لا يقف أمام إلغاء هويتهم وثقافتهم لصالح ثقافة سائدة كما حصل في تركيا فحسب.

بل من اقتران وثيق العرى بين فكرة القومية العربية والإسلام كدين حامل لتلك القومية وبتلك الثقافة، وهذا أمر واضح جلي في كل كتابات وتصورات ومخرجات الآباء الاول ومنظري ومفكري التيار القومي العروبي.

وعليه لم ير الكرد في دعوةٍ أو ثورة قومية كردية كثورة الشيخ بيران ” رغم مساندتهم القصوى لها ” مشروعا كرديا متكاملا، كذلك الحال في مشروع الشيخ محمود بزرنجي في كردستان العراق.. إذ كانت الدولة الكردية التي يراد إقامتها دولة بثوب مسلم، الإسلام ذاته الذي احتكره القوميون العرب كحامل ثقافي لهويتهم دعوتهم ولأمتهم.

لذى وجد الإلحاد بثوبه الماركسي طريقاً معبدا إلى الأكراد
لتشهد ستينات القرن الماضي حقبة شيوعية كردية بامتياز حركيةً كانت أم شعبية، وجد الكرد ضالتهم في عقيدة مادية مقترنة بأيدلوجيا سياسية عالمية الطابع كرديف لصيق للقومية الكردية بديلا ناجحاً عن إسلام العرب.

وحتى حين أفل نجم الماركسية وتحولت الشيوعية إلى فلكلور سياسي أكثر من كونها نهج عملي قابل للتطبيق، حلت العلمانية ليبرالية الطابع مكانها في الأوساط السياسية والشعبية الكردية.

وعلى ذلك بقي طيفٌ واسعٌ من الأكراد يرى في مشروع الإسلام مشروعٌ يمثله …. تحطمت تلك الرؤية ولم يبق من هذا الطيف سوى النزر اليسير أمام أربعة مفاصل مهمة للغاية:

– الأول : الجرائم والاضطهاد والتهميش والافقار المستمر في حق أكراد إيران من قبل الدولة هناك منذ قيام ثورة الامام الخميني حتى هذه اللحظة .
– الثاني : المجازر والمذابح التي ارتكبها جيش نظام البعث في العراق إبان حكم صدام حسين في حق الأكراد ، جيشٌ رفع الشعار الإسلامي الحربي الأبرز : الله أكبر ، في حرب نظام مع مواطنيه الأكراد المسلمين .

– الثالث : ما واجهه الأكراد في سوريا والعراق من تنظيم داعش في الفترة التي امتدت من العام ٢٠١٣ حتى عام ٢٠١٨

– الرابع : احتشاد القوى العسكرية والسياسية الإسلامية في الشمال السوري خلف تركيا لقتال الأكراد في الشرق .

وعليه وبنفس الزخم الهائل الذي اعتنق فيه الأكراد الدين الاسلامي، تهجر الغالبية الكردية العظمى الإسلام وتقصيه من تعاطيها وثقافتها بقسوة بالغة.. ولذات السبب الذي دفعهم لهجر الزردشتية فارسية الطابع في يوم من الايام.. الغبن ولا شيء سوى الغبن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى