عصير ثقافي

إسقاط وتحليل لرواية دون كيشوت ديلامنتشا

نعم إنها شخصية “دون كيشوت” التي ولد بولادتها فن الرواية الحديثة، والتي أصبحت بعد ذلك علامة فارقة في تاريخ تطور السرد الروائي من جهة، وعلامة على النقلة المعرفية التي حدثت في تلك الحقبة والقطيعة بين الزمن التقليدي بكل منجزاته الثقافية والفكرية والأدبية، والولوج إلى الزمن الحديث، “زمن العقل والحسابات الكمية التي لا ترتهن إلى استيهامات الخيال وخلجات الوجدان”

تدور أحداث الرواية حول رجل طويل القامة وهزيل البنية ناهز الخمسين عاماً، إنه ألونسو كيخانو الذي سيطلق على نفسه لاحقاً اسم “دون كيشوت”، والذي يعيش في واحدة من قرى إسبانيا في بدايات عصر النهضة.

قضى ألونسو أيامه من الصبح إلى الليل ومن الليل إلى الصبح” في قراءة أدب الفروسية، حتى إنه كان يبيع قطعاً من أرضه ليشتري بها كتباً عن الفروسية، وقد انتهى به هذا الهوس الشديد بالفروسية إلى فقدانه لصوابه وخلطه بين أوهامه والواقع،
فقد بلغ الهوس بألونسو إلى الحد الذي يقرر فيه استعادة أمجاد الفرسان الجوالين ويقوم بمحاكاة سيرهم في نشر العدل ومساعدة المستضعفين والدفاع عنهم، يقول ألونسو “لقد وُلدت في هذا العصر الحديدي لكي أبعث العصرَ الذهبي”، ولذا فقد أعد عدته للقيام بهذه المهمة العظيمة فقام أولاً باستخراج سلاح قديم متهالك خلّفه له أجداده الغابرين فأصلح فيه ما استطاع، ثم لبس درعاً وخوذة وحمل معه سيفاً ورمحاً وامتطى صهوة جواد أعجف هزيل وأطلق عليه اسم “روثينانته”.

من ثم بدأ يفكر قائلاً” أفلا يكون من المستحسن أن أجد من أهديه هذا النصر” وهنا أطرق مفكراً وباحثاً عن تلك التي ستكون سيدة قلبه، إلى أن تذكر أنه وقع بشبابه في غرام ابنة فلاح من قريته كانت تدعى ألونزا لورنسو؛ لكنه ما لبث -كعادته في تغيير الأسماء- يبحث لها عن اسم لا يقل نبلاً عن اسمه، فاهتدى أخيراً بعد طول بحث وتنقيب إلى إطلاق اسم دولثينا دي طوبوزو.

ها هو فارسنا قد لبس درعه وصقل سيفه واتخذ خليلة له كي يهديها انتصاراته الساحقة المرتقبة، ولم يتبقّ له سوى شيء واحد وهو اختيار مرافق مخلص له؛ فاختار لهذه المهمة سانشو الفلاح الساذج البسيط الذي وافق أن يكون تابعاً له على أن يجعله دون كيشوت حاكماً لإحدى الجزر التي سيحررها في مغامرته هذه.

لقد أراد سرفانتس من خلال نصه الروائي “تحطيم سلطان روايات الفروسية -التي أكل عليها الدهر وشرب- ومنع انتشارها في المجتمع الراقي وبين أوساط الناس البسيطة”، إلا أننا إذا أمعنا في النص فإننا سنجده -كما يقول د. الطيب بوعزة “متناً ساخراً من كل شيء من الفروسية الزائفة ومن الأديرة وطقوسها ومن محاكم التفتيش ودمويتها الوحشية؛ إنه متن نقدي يتوسل مختلف طرائق السخرية اللاذعة لتسفيه الواقع برمته.

لن أتطرق بالروائيين والشعراء العرب منهم والغرب بالإسقاطات التي تمت على هذه الرواية، وكم من محللين نفس وضعوا الرواية على المشرحة وبدأت عملية التحليل النفسي وإخراج الحالة الإنسانية التي كان يُعاني منها بطلنا المزعوم.

حقاً تبهرني هذه الرواية بإسقاطاتها على واقعنا اليوم، من حكام وشيوخ ورهبان، يختارون أسماءهم، وسيوفهم، ولمن سيهدون نجاحاتهم، وتُبع من العامة، ويبنون عمالقة وأعداء، بل يختارون صفات لهذه البطولات، ويخمرون بانتصاراتهم الوهمية.

اجترار ماضٍ غابر سحيق مُظلم، والسقوط بكل نرجسية بوهم المؤامرة، ناسين أو متناسين أين مكانتهم الحقيقية، وحجمهم الذي لا يُرى، ويتقيؤون على العامة أهدافهم النبيلة الطاهرة ” حسب زعمهم” ويخرجون من أي حفرة ممتلئين بالغوط أبطال.

وأترك لكم إسقاطاتكم أنتم ومخيلتكم الخصبة بمن تذكركم هذه الرواية التي بمنظوري اعتبرها صالحة لكل زمانٍ ومكانٍ أكثر مما يدعون أنه صالح لكل زمانٍ ومكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى