رأي

المتقاعدون الفقراء في ألمانيا الغنية !

أكثر ما يشعرني بالحزن في ألمانيا، هذا البلد الذي يتغنى ساسته بالعدالة الاجتماعية والإنسانية منظر عجوز ستيني متوجه إلى عمله في مصنعٍ أو ورشة بناء وسيدة أخرى مسنة تتنقل بين حاويات المدينة لجمع فوارغ علب الكولا لكي تستبدلها لاحقاً برغيف خبز وعلبة عصير.

قد يظن غير المطلع أن العجوز العامل رجل نشيط وما زال يتمتع بالقدرة على العمل، وان السيدة المسنة امرأة مشردة أو سكيرة … إطلاقا!

كلاهما يخرج مجبرا كل صباح بالرغم من كبر سنه وأسقامه وتعبه ليحصل قوت يومه، لأن الراتب التقاعدي الذي يتقاضيانه لا يتجاوز ٩٠٠ يورو، تصورا بعد ما يزيد عن ال ٣٠ سنة على الأقل من العمل الدائم في وظائف شاقة ودفع الضرائب يتحصل المتقاعدون على هذا الراتب الضئيل.
والذي من المفترض أن يغطي كل من:

– الايجار الشهري
– الفواتير الأساسية ( ماء – كهرباء – تدفئة )
– الحد المقبول من الطعام
– الحد المقبول من اللباس ( لباس من المحلات المخفضة – محلات الثياب المستعملة – مراكز الخيرية الكنسية التي تعرض الملابس المستعملة بأسعار رمزية )
في الوقت الذي يبلغ آجار أصغر شقة في مدينة ما في ألمانيا الشرقية ” الأرخص معيشةً في البلاد ” ٤٥٠ يورو شهرياً !

حياة امتدت طويلا ملؤها الاستهلاك والعمل والصرف والاستهلاك والعمل، وبإملاءات سياسية إعلامية كثيفة وخبيثة وغير مباشرة أصبحت حياة الإنسان الفرد وحيدا دون عائلة ودون تكافل اجتماعي ودون جيران هي الحياة المثالية لدى المواطن الألماني.

لا تتزوجوا، لا تنجبوا الأطفال، ابتعدوا عن أقاربكم وانتقلوا إلى مدن أخرى، اهجروا آبائكم وامهاتكم وجداتكم وليس من الضروري أن تتعرف إلى جارك … واذهبوا آخر الأسبوع إلى البار أو الديسكو أو صالة القمار واستمتعوا وفي الصيف اصرفوا كل ما ادخرتموه على إجازة هنا أو هناك لبضع أيام لتعودوا مرة أخرى إلى العمل كروبوتات!

ليصل أمثال من تحدثت عنهم إلى سن كبير، وحيدون، سقماء يعيشون القلة والضنك والفقر والعوز ثم يتم إيداعهم آخر المطاف في أحد دور المسنين ليموتوا هناك بصمت وبسرعة.

أعيش في بلاد عظيمة ذات تاريخ عريق وثقافة جميلة ومزايا عديدة استفدت منها وما زلت أستفيد وانا حقيقةً ممتن للغاية للشعب الألماني الذي أجبر ساسته وحكومته بترحابه وتعاطفه مع قضية اللاجئين السوريين على العمل بسياسة لجوء ممتازة، حصلت بموجبها على حق الإقامة في ألمانيا وسأحصل بموجبها بعد عام على أكثر التقدير على الجنسية الألمانية.

أنا أعمل في وظيفة جيدة أسكن شقة جميلة أولادي في مدارس وروضات ممتازة، أستطيع أن أقول أن مستواي المعيشي متوسط. وانا راضٍ وسعيد بذلك.
لكن هذا لا يلغي شعوري الذي يتفاقم كل يوم أني أعيش في بيئة تتجلى بها الرأسمالية المتوحشة في أقصى درجاتها. متوحشةٌ لدرجةٍ قد يُلقى بها الإنسان في القمامة دون أن يكترث له أحد في اليوم الذي يتوقف فيه عن كونه ماكينة عمل تنتج وتدفع الضرائب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى