رأي

عن صدام حسين، وكذبة البطولة العربية

نعيش في مجتمع طغت فيه وعليه الأنظمة الشمولية والديكتاتورية منذ عقود، وقبل تلك الأنظمة عاش هذا المجتمع تحت احتلالات متعاقبة حكمت البلاد بالسيف والبارود مهما حاول البعض تجميل هذه الاحتلالات بمصطلحات من قبيل (انتداب، خلافة إسلامية، ….إلخ).

هذا الواقع المستمر على مدار عقود، خلق شعوراً بالحاجة إلى بطل منقذ لدى شريحة واسعة من الشعب العربي. البطل المقدام، المدافع عن الناس، المغوار، الصقر الذي لا يخطئ فريسته، الفارس الذي سيعيد حق الشعب المسلوب من حكامه المستبدين وأعدائه.

ولأننا مجتمعات قائمة أساساً على الانتماء الديني، الطائفي والمذهبي تحديداً، مضى كلٌّ منا يبحث عن بطله المفقود ضمن طائفته. فكان صدّام حسين البطل لدى السنة، وحسن نصر الله البطل على الطرف المقابل لدى الشيعة، وانطبق ذلك على المسيحي والعلوي والدرزي والاسماعيلي وغيرهم وغيرهم وغيرهم.

ولإعطاء هذا البطل شرعية ترضي محبيه، كان لا بدّ من نسج الأقاصيص عن بطولاته بهدف مسح ماضيه وحاضره الإجرامي. فنجد اليوم صدام حسين بطلاً شهيداً لدى كثيرين يتحسرون على أيامه ويتمنون رجوعها، وأبسط ما يبررون به هذا التمني أنه (كان داعس على الشيعة) أو أنه (الوحيد الذي زلزل عرش إيران). في دلالة واضحة على أن الأساس الوحيد ليكون القائد بطلاً هو خلفيته الدينية وتعامله مع الطوائف الأخرى.

لنتخيل معاً أن الظروف شائت أن يكون صدام مسيحياً على سبيل المثال أو علوياً أو أياً يكن، وقام بما فعله بالضبط دون أي تغيير تجاه إيران وغير إيران، هل كان الناس سيبنون هذا المجد له؟ هل كان مؤيدوه والمصفقون له هم نفسهم الذين نراهم اليوم؟

إن جلّ ما يراه أصحاب نظرية (البطولة الصدّامية) هو ما فعله ضد الشيعة (إيران) إنطلاقاً من واقع مفروض اليوم وذي جذور تاريخية يلخص العلاقة بين السنة والشيعة بالعداوة. ولو رجعنا قليلاً بالتاريخ إلى ما قبل بداية حرب الخليج الأولى، لرأينا أن هدف صدام الاول من الحرب كان توسعياً وليس لأن الطرف الآخر (شيعة)، خصوصاً أن صدام نفسه كان الموقّع على اتفاقية الجزائر التي رسمت الحدود بين إيران والعراق في عهد الشاه. الهدف ذاته كان لدى الطرف الإيراني وهو توسعي للسيطرة على منطقة استراتيجية تضمن ثروات إضافية وهي شط العرب.

صدام نفسه الذي يتبجح مؤيدوه بانه (أسكت الشيعة) كان السباق إلى غزو البلد الجار الآخر الكويت (السني)، الكويت ذاتها التي شاركت في دفع تكاليف الحرب ضد إيران لصدام. إلا أن صدام قام باجتياح الكويت عند أول فرصة بهدف توسعي آخر واضح للاستفادة من الموانئ الكويتية بعد تدمير معظم الموانئ العراقية خلال حرب الخليج الأولى وتوقف التصدير العراقي للنفط بسبب ذلك.

صدام حارب السني والشيعي. وحارب العربي والكردي، ومن ينكر جرائمه بحق الأكراد والتركمان وما فعله في الأهوار والدجيل وحلبجة من جرائم ضد الإنسانية ضد العرب والكرد معاً، ليس إلا كمن يحاول أن يعيش في قوقعته الخاصة بعيداً عن الواقع خوفاً من تدمير صورة (صقر العرب) التي رُسمت في مخيلته عبر عقود، ولا يختلف عمّن ينكر ما فعله الأسد الأب في حماه وحلب وإدلب من مجازر في الثمانينات بحجة محاربة الإخوان المسلمين وما يفعله الابن اليوم بحجة محاربة الإرهاب.

في مجتمعٍ عاش في الحضيض لقرون متتالية، لن يكون من المستغرب سماع أصوات تصف الديكتاتور بالبطولة، وسارق الثورات والمتسلق بخليفة المسلمين أو أسد السنة، والمجرم السفاح بحامي البلاد في وجه الغرب. وليس من المستغرب أن نجد من يهلل ويصفق لرغد صدام حسين عندما تصرح على قناة العربية بأن والدها لم يكن يحب الدماء إلا أنه كان قاسياً بعض الشيء، وكأنهم يريدون إقناعنا أن صدام كان يدافع عن نفسه في كل ما فعله، أو ربّما يريدوننا أن نتخيل أن صدام كان يفطر البسكويت مع الحليب ثم يقود دراجته مسالماً فيعتدي عليه الكويتي أو الإيراني بحجر فيهب صدام للدفاع عن نفسه.

هذه الأصوات مشابهة اليوم لتلك التي تبرر للأسد ما فعله من إبادة جماعية في سوريا بحجة (محاربة التطرف والإرهاب). غير أن كل ذلك لن يغيّر من حقيقة أن هؤلاء مجرمون وقتلة. مجرمون حتى النخاع، مهما كانت طائفتهم ومهما كانت عقيدتهم، فالديكتاتور لا دين له ولا طائفة.

الديكتاتور هو ديكتاتور، والمجرم يبقى مجرماً.

About Post Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى