عين على سوريا

الشوايا.. زنوج سوريا الجدد

عندما صنف العلماء البشرية إلى أعراق في القرن الثامن عشر، شُكلت في مخيلة معظم الباحثين الغربيين آنذاك صورة نمطية سلبية عن الشعوب ذوي البشرة “سوداء اللون”، صورة لم تتغير إلا في منتصف القرن العشرين.
وهذا التصنيف الذي خلق مصطلح “زنجي” (Negro)، المصطلح الذي بدأ بالتطور عبر القرون الماضية وبأخذ أشكال متعددة، كانت وما زالت تحمل في معظمها معانٍ سلبية ونظرة استعلائية تجاه ذوي البشرة البشرة السمراء.
هذا المصطلح ليس مجرد “تسمية عادية” نستخدمها في حياتنا اليومية، بل تسميةٌ تحمل في طياتها الكثير من العنصرية، وتخفي الكثير من مآسي العبودية والاستعمار، وإن ربطي مصطلح “زنجي” بمصطلح “شاوي”، لربما قد يكون عنيفاً في طرحي لفكرة المقارنة التاريخية بين ما عاناه ويعانيه “ذوي البشرة السمراء” من تمييز وعنصرية في شتى أنحاء العالم، بما يعانيه أبناء ما بين النهرين (دجلة والفرات) وشمال وشرق سوريا وابناء معظم الأرياف السورية (ذات الطابع العشائري)، من عنصرية وتمييز وازدراء وتحقير، وإن المقارنة لا تنفي الاختلاف بين الأسباب وراء الممارسات العنصرية التي يتعرض لها كل من الطرفين.
من هم الشوايا؟
تتعدد الروايات والقصص و الأساطير حول تسمية “شوايا”، فمثلاً تقول إحدى الروايات، أن ابن خلدون ذكر في كتاباته :”أن التسمية أتت من أنهم رعاة شياه (أي غنم)، وإن “الشاوي” هو راعي الشياه” ،كما تقول رواية أخرى عن “ابن منظور” : “أن الشوية هم بقايا قوم هلكوا، والجمع شوايا”، وهنالك من يقول أن تسمية “شاوي” اسم فاعل من فعل “شوى” والجمع “شوايا”.
لكني لن أخوض مطولاً في كل تلك الروايات عن تسمية “الشوايا” بهذا الاسم، لأني أرفض وبشكل قاطع، أن تكون تلك التسميات وبغض النظر عن مصدرها إن كان (“شاوياً” أو “شامياً”)، تجميلاً لمصطلح يُراد به وصم أبناء منطقة ما وتمييزهم عن غيرهم، وذلك نسبة لطريقة عيشهم أو لهجتهم أو ثقافتهم أو عمل (معظمهم لم يعد يزاوله حتى) أو لون بشرتهم “المائل للسمرة”، المخالف لمعايير الجمال النمطية المُتَّبعة في المجتمع السوري” المدني”.
كما إني وبذات السوية، كنت وما زلت رافضاً للتنميط المُمارس من قبل النظام السياسي والاجتماعي في سوريا، التنميط الذي يصنف البشر على حسب عرقهم أو لونهم أو دينهم أو معتقداتهم أو جغرافيتهم حتى، وما لا يمكن نكرانه هو أن التنميط أصلاً، جاء نتيجة لإستسهال وصف الآخرين، فضلاً عن حاضنة جاهزة من “المجموعة المُنمطة” تثبت ذلك التوصيف.
إن قضية فخرنا نحن “الشوايا” بهذه التسمية هي قضية حساسة جداً، فتارةً نفتخر بالصفات المتبوعة أحياناً بتسمية “شاوي” كالكرم والطيب والشهامة، وتارةً تُجرح مشاعرنا عندما تطلق علينا هذه التسمية، وذلك نظراً لأن هذه التسمية غالباً ما ترد في سياق سلبي، تجعل من “الشاوي” همجياً، جاهلاً، غير متحضر.
الشوايا والثورة (الحلم بالمساواة) 
في مطلع آذار عام ٢٠١١ ومع انطلاقة الثورة السورية، بدأت الآمال العريضة ترتسم على مُحِيّا الشعب السوري، آمال ببناء مجتمع مدني قائم على العدالة والمساواة بين جميع فئات الشعب، دون الحاجة لتصنيف البشر ضمن “قوالب” التنميط المعتمدة مسبقاً من النظام، حيث حول نظام الأسد الديكتاتور جميع فئات الشعب السوري إلى نسخ متشابهة، أياً كانت المناطق التي يعيشون فيها، ولا يوجد “فعلياً” فئة اجتماعية أو مناطقية أرقى أو أسوأ من فئة أخرى (في منحى التحضر)، فقد أراد النظام لكل السوريين بأن يكونوا جهلة وهمج ومنافقين ومجرمين عندما تقتضي الضرورة لذلك، ومارس النظام هذه السياسة على مدى عقود بنى فيها مجتمعاً قائماً على أساس مناطقي وطائفي وقومي في التفرقة بين مكونات المجتمع الواحد، لضربها ببعضها البعض، وترسيخ عقلية تصنف البشر في صفات مبنية على أساس قوانين طبيعية لا فكاك منها، وأن تلك القوانين ليست ناتجة عن رغبة المجتمع، وإنما منسقة موجهة، لها دوافعها وأدواتها وآليات تنفيذها.
لذا عندما بدأت أصنام “القائد الخالد” تتهاوى وتسقط، بدأ “الشوايا” كسائر الشعب السوري، بالعودة إلى المشهد السياسي والاجتماعي في سوريا، كما بدأت الصور النمطية السلبية عن “الشوايا” تتلاشى وبدأت صفات الكرم والجود والطيب تظهر على أنها الصفات العامة لمجتمع “الشوايا” ككل.
وكما هو الحال بالنسبة للمجتمع السوري بكل أطيافه، بدأت أحلام وآمال “الشوايا” بالوقوع في مرمى الخذلان والتهميش من جديد، حيث بدأ التمييز يأخد شكلاً مختلفاً، فبعد كل ما تعرضت له البلاد من عملية تدمير وتغيير ديموغرافي اضطر الكثير من “الشوايا” (زنوج سوريا ومكسيكيوها) بالنزوح إلى المدن، بدأ “الكاو بويز السوريون ” بإحياء الصور النمطية من جديد، وهذا ما عقد المشكلة من جديد، حيث أخذت عدة مجموعات اجتماعية ومناطقية بالعزف على وتر النظام وتبنّت التنميط السلبي “للشوايا” على الرغم من أنها شريكة للشوايا في التهميش والإفقار والتسلط، مثلما كان يسوّق البعض بأن” الشوايا” إما موالين للنظام أو دواعش، وطبعاً لا يمكننا إلقاء اللوم كله على النظام وحده أو على “السوريين البيض”، حيث أن مجتمع الشوايا لا يختلف كثيراً عن المجتمع السوري المليء بالتناقضات، صحيحٌ أنه مشابه بشكل ما أو بآخر للمجتمع العراقي، وهذا ما جعل حافظ الأسد إبان حكمه بأن يحقد على منطقة ديرالزور خصيصاً نسبةً “لإعجاب الشوايا فيها بصدام حسين”، حيث أن المسؤولية أيضا تقع على عاتق الشوايا أيضاً، وإن كل ما ذكر ولم يذكر من أحداث ووقائع، ليست إلا حقائق بدأت تبنى عليها أحكام قيمة وسلوكات اجتماعية، تقدم نبذة عن توجه وبنية المجتمع الفراتي.
كيف ندفع المجتمع السوري نحو الأفضل؟ 
إن نهاية ممارسات” الكاو بويز” في أمريكا لم تأتي من فراغ، حيث كان على الأفارقة والكاريبيين والمكسيكيين و الطليان وجميع الفئات التي تشكل شعب الولايات المتحدة الأمريكية بتنوعه الحالي من مختلف الأعراق والأديان والانتماءات الاجتماعية والسياسية والفكرية، بأن يناضلوا في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع فئات الشعب.
كما أن خطاب الكراهية وعملية التنميط القائمة في الوسط السوري، كالعبارات بأن “الشوايا جهلة ومتخلفون” و”الأكراد بويجية” و”الشوام نصابون” و”العلوية أمن ومخابرات” وما إلى ذلك، ليست في الحقيقة إلا “خطوات رجعية”، تحول كل محاولة إيجابية للرقي بالمجتمع السوري إلى حالة سلبية تطغى على الشعور بالأمل بانتصار المواطن السوري على تهميش طال ما يقارب الخمسة عقود.
في النهاية، أود القول بأن النقاش الدائم والمتجدد حول هذه التصنيفات والتسميات المبنية على أساس المناطقية والدينية والعرقية، أمر نحن بأمس الحاجة إليه كسوريون، اليوم أكثر من الأمس وغداً أكثر من اليوم، على أن يكون نقاشاً علمياً منفتحاً على جميع الأصعدة، يستند إلى المعرفة والحرية المطلقة في تناول الأفكار النمطية، بعيداً عن أساطير التاريخ وحقائقه المشوهة، نقاشاً مبنياً على الأخد بالاعتبار كل وقائع التهميش الممارسة على كل فئات الشعب السوري وتوضح أن المناطقية والدينية تنحطّ وتفقد أخلاقها في ظل أنظمة دكتاتورية تسلطية لا ترى في شعوبها إلا مجرد رعاع وخدم وتابعين صغار، وبالمقابل فإن كل تلك المجموعات ترتقي وتتحضر ويزداد شعورها بمكانتها في المجتمع، من خلال حصولها على حقها بالمساواة والعدالة الاجتماعية والحرية في ظل أنظمة تحترم البشر وحقوقهم، حينها فقط سيكون للشوايا وغيرهم من مكونات الشعب السوري، الوقت والمساحة الفكرية الكافية لإثراء المجتمع وبناء مستقبل مشرق لسوريا الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى